الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةواقعية ودراميةجيرةحوار

الياسمينة التي وجدت مكانًا للجميع

ح
حمد خالد

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٢٨ مشاهدة

الياسمينة التي وجدت مكانًا للجميع

قصة اجتماعية خيالية عن جارتين ومبنى متخيل.

كانت أم صالح تسقي الياسمينة بعناية في الموضع الذي سمح به ترتيب المبنى منذ زمن. كبرت الأغصان قليلًا، وصار الأصيص يشغل من المدخل أكثر مما كان أول الأمر. لم تنتبه إلى الفرق؛ كانت تراه كل يوم، وكل ورقة جديدة تذكرها بعناية أسرتها بالبيت لا بمساحة الممر حوله.

عادت جارتها ديمة تحمل أكياسًا خفيفة، واضطرت إلى تغيير طريقها عند الباب. لم يكن هناك حادث، لكنها شعرت أن الممر لم يعد مريحًا كما كان. أرادت أن تنقل الأصيص بنفسها إلى زاوية أخرى، ثم توقفت لأنه لا يخصها، ولأنها لا تعرف إن كان موضعه الجديد مناسبًا للنبات أو لترتيبات المبنى.

في اليوم التالي طلبت من أم صالح وقتًا للحديث. شرحت ما لاحظته دون أن تبدأ بأن أحدًا لا يفكر في غيره. قالت إن الياسمينة جميلة، وإن المساحة ضاقت مع نموها. سمعت الكبيرة الكلمات كأنها طلب لإزالة ذكرى عزيزة، فأجابت بأن الأصيص موجود قبل مجيء ديمة بسنوات، وأن أحدًا لم يعترض من قبل.

شعرت ديمة بالضيق، وكادت ترد بأن الزمن لا يجعل كل شيء مناسبًا. لكنها رأت يد جارتها تمس ورقة صغيرة بحنان، فسألتها عن الياسمينة. قالت أم صالح إنها جاءت من بيت أسرتها القديم، وإنها تحب رؤيتها عند الدخول. لم تكن الحكاية سببًا لإلغاء حاجة الممر، لكنها جعلت ديمة تفهم لماذا بدا السؤال جارحًا في البداية.

قالت إنها لا تريد التخلص من النبات، وإنها تسأل عن موضع يجمع بقاءه وراحة الدخول. تركتا القرار الذي يتعلق بالمكان المشترك للمسؤولين عنه وفق نظام المبنى، وطلبتا مراجعة الخيارات. لم تجمع ديمة صورًا للجارة لتضغط بها في مجموعة السكان، ولم تحشد أم صالح من يصف الشكوى بأنها قلة احترام للكبار.

جاء المسؤول في موعد مناسب، وراجع المساحة وما يسمح به تنظيمها. لم يطلب من الجارتين اختيار مكان على حساب مدخل آخر أو مسار يحتاجه أحد. حدد خيارات يمكن تقييمها، وترك العناية الفنية بالنبات لمن يعرفها. كان الحل يحتاج تفاصيل عملية، لا مجرد أن تتنازل واحدة كي ينتهي الخلاف سريعًا.

في فترة الانتظار اتفقتا على ترتيب مؤقت معتمد يحفظ وضوح الممر، ونُقلت الأشياء بواسطة من يتولى ذلك بأمان. لم تحاول ديمة حمل الأصيص الثقيل لتثبت حسن نيتها، ولم تطلب من أم صالح أن تفعل ما يشق عليها. استطاعت كل واحدة المساعدة في حدود بسيطة، كالتحقق من الموعد وإبلاغ من يلزم.

اختير موضع مناسب ضمن المساحة المسموح بها، تستطيع أم صالح رؤية نباتها فيه دون أن يضيق الدخول. لم يكن هو الموضع الأول الذي أرادته ديمة، ولا المكان القديم الذي تمسكت به الجارة. لكنه استجاب للحاجتين اللتين ظهرتا في الحديث، وأتاح للجهة المسؤولة متابعة ما يخص استخدام المكان.

بعد النقل وقفت أم صالح صامتة قليلًا. لم تستعجلها ديمة لتقول إن الشكل أجمل، ولم تعتبر حزنها القصير رفضًا للاتفاق. تغيرت زاوية اعتادت رؤيتها سنوات، ومن الطبيعي أن تحتاج وقتًا. سألتها فقط إن كانت تريد مرافقتها إلى الباب، ثم تركت لها مساحة تتأمل فيها دون حديث يطالبها بالرضا.

في مساء لاحق طرقت أم صالح باب ديمة بعد تنسيق مناسب، ومعها غصن صغير من ترتيب مسموح تعرفه في العناية بالنبات. لم يكن ثمنًا لسحب الشكوى؛ كانت علامة مودة اختارتها بعدما هدأت. شكرتها ديمة، وقالت إنها سعيدة بأن الياسمينة بقيت قريبة. لم تعيدا الخلاف كقصة من انتصر ومن تراجع.

صار المدخل أوسع في الحركة، وبقيت رائحة مألوفة تستقبل الجارتين حين يناسبها الموسم في عالم الحكاية. تعلمت أم صالح أن تغير المكان لا يمحو الذكرى، وتعلمت ديمة أن الطلب الصحيح قد يحتاج إصغاء يحفظ صاحبه. أما الياسمينة فلم تتكلم، لكنها وجدت في الموضع الجديد ما لم تجده في أول الجدال: مكانًا يمكن أن ترتاح إليه أكثر من عين واحدة.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.