الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةواقعية ودراميةاحترام الكبارمراعاة الآخرينلطفحياة يومية

المقعد الذي غيّر طريق سامي

ح
حمد خالد

١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٣ مشاهدة

المقعد الذي غيّر طريق سامي

قصة خيالية أصلية مناسبة للعائلة.

ركب سامي الحافلة بعد يوم طويل، يحمل حقيبة أثقل مما اعتاد. وجد مقعدًا قرب النافذة، فجلس ووضع هاتفه أمامه. كان يريد دقائق لا يسأله فيها أحد عن عمل أو موعد، ولذلك أدخل السماعات قبل أن يتحرك من مكانه.

في المحطة التالية، صعد رجل مسن يتكئ على عصا. لم يطلب شيئًا بصوت مرتفع، بل بحث بعينيه عن موضع مناسب. رآه سامي من طرف الشاشة، ثم عاد إلى رسالته. كان هناك ركاب آخرون، وقال لنفسه إن أحدهم سينتبه.

مرّت لحظة، ثم رفع سامي رأسه. كان الرجل ما زال واقفًا في موضع لا يطمئن إليه أثناء الحركة. نزع السماعات وسأله بأدب إن كان يرغب في المقعد. لم يمسك ذراعه أو يسحبه ليبدو مساعدًا؛ ترك له الاختيار، ثم أفسح الطريق حين وافق.

شكره الرجل وجلس، فيما وضع سامي حقيبته بحيث لا تعوق أحدًا وتمسك بالمسند المناسب. لم يعد يستطيع متابعة هاتفه بالطريقة نفسها، وشعر بشيء من الضيق الذي لم يتوقعه. كان عمل اللطف صغيرًا، لكنه أخذ من راحته فعلًا.

حاول أن يخفي الشعور بابتسامة، ثم أدرك أنه لا يحتاج إلى ادعاء أن الوقوف أسهل من الجلوس. يستطيع أن يتعب ويفعل الخير في الوقت نفسه. لم يكن كل من بقي جالسًا أقل منه خلقًا؛ فهو لا يعرف ظروفهم أو ما قد لا يظهر عليهم من حاجة.

بعد قليل، عرض الرجل أن يحمل حقيبته على ركبتيه. شكره سامي ورفض بلطف لأنها ثقيلة ولا يريد تحميله إياها. وجدا موضعًا آمنًا لا يعيق الممر، ثم تحدثا حديثًا قصيرًا عن الطريق، دون أن يسأل سامي عن سبب العصا أو حالته الصحية.

كان الرجل ذاهبًا إلى زيارة أخيه، ويحاول التأكد من محطة النزول. لم يعرف سامي الجواب الدقيق، وكاد يرشده بناء على اسم سمعه قديمًا. توقف، وراجع المعلومات المتاحة للحافلة وسأل عبر الوسيلة المناسبة بدل التخمين.

اتضح أن المحطة المقصودة ليست التالية، بل التي بعدها. أخبر الرجل بما تحقق منه، وترك له فرصة مراجعة اختياره. لم يأخذ هاتفه من يده ليرى عنوانه، ولم ينشر صورة معه على أنها قصة مؤثرة من يومه.

حين وصل سامي إلى محطته، تردد في النزول؛ أراد أن يتأكد من وصول الرجل، لكنه كان قد اتفق على موعد في البيت. شرح له أنه سينزل الآن، وبيّن ما عرفه عن المحطة التالية. لم يعده بمرافقة لا يستطيعها، ولم يشعر أن عليه امتلاك الرحلة كلها حتى تكون مساعدته نافعة.

قبل أن يغادر، قال الرجل: «جزاك الله خيرًا». رد سامي بالدعاء له، ونزل بعد أن توقفت الحافلة في المكان المخصص. كان كتفه متعبًا، لكنه شعر أنه خرج من الشاشة إلى رحلة حدثت حوله فعلًا.

في البيت، سأله أخوه لماذا تأخر دقائق. حكى سامي ما جرى دون أن يذكر معلومات خاصة عن الرجل، ثم قال إنه كان ينتظر أولًا أن يساعد شخص آخر. ضحك أخوه واعترف بأنه يفعل ذلك أحيانًا أيضًا؛ يظن كل واحد أن أحدًا غيره سيتقدم.

لم يتحول الحديث إلى لوم للناس. اتفقا أن ينتبها أكثر، وأن يعرضا ما يستطيعانه باحترام. كما تذكرا أن طلب المساعدة أو رفضها لا يبرر إحراج أحد، وأن بعض الحاجات لا تظهر لمن ينظر من بعيد.

في اليوم التالي، ركب سامي حافلة أخرى. لم يقف عند الباب يبحث عمن يشكره، ولم يفتش وجوه الركاب ليحكم عليهم. وضع حقيبته جيدًا، وأبقى انتباهه حاضرًا. وحين سأله راكب عن مقعد فارغ، تحرك قليلًا ليفسح له الطريق.

كانت الرحلة تشبه كل رحلاته السابقة، لكن طريقه داخلها تغير. صار يعرف أن المراعاة ليست مشهدًا كبيرًا يحتاج جمهورًا، بل سؤالًا مهذبًا، ومعلومة يتحقق منها، ومساحة يتركها لغيره، ولو خسر بسببها دقائق من راحته.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.