اللفة التي لم يحسبها العداد

قصة خيالية أصلية؛ لا تروي حدثًا رياضيًا حقيقيًا.
كان عداد نواف يحفظ كل شيء: زمن اللفة، وعدد الخطوات، والمسافة التي قطعها في أسبوع. يفتح التطبيق بعد التدريب، فيرى خطًا أزرق يرتفع وينخفض، ويقرر إن كان يومه ناجحًا قبل أن يسأل نفسه كيف شعر وهو يركض.
سجل في سباق الحي للهواة، وحدد هدفًا واضحًا: تحسين رقمه السابق. لم يكن السباق بطولة كبيرة، لكن اسمه سيظهر مع بقية المشاركين على لوحة النتائج. كان يريد أن يريها لأخيه الذي شجعه على بدء الرياضة بعد سنوات من التأجيل.
في التدريبات تعرّف إلى مالك، شاب يركض بوتيرة قريبة من وتيرته. كانا يتبادلان التحية، ثم يراقب كل منهما خطوات الآخر من طرف عينه. إذا سبق أحدهما، أسرع الثاني قليلًا. لم يتشاجرا، لكن حديثهما امتلأ بالأرقام أكثر مما امتلأ بالأسماء.
قبل السباق بيوم، جمع المدرب المشاركين وشرح المسار. أكد أن كل شخص يلتزم بما يناسب حالته واستعداده، وأن السلامة وتعليمات المنظمين تسبق أي نتيجة. استمع نواف، ثم راجع ساعته للمرة الثالثة وهو يحسب زمنًا يتمنى تحقيقه.
بدأ السباق صباحًا في مسار مغلق. انطلق نواف أبطأ مما اعتاد في أول دقيقة، كما تدرب. بعد اللفة الأولى كان راضيًا؛ لم يتعب سريعًا، ولم يندفع خلف المجموعة الأسرع. ظهر مالك على يمينه، فابتسم له ثم عادا إلى التركيز.
قرب منعطف واضح، رأى نواف رباط حذاء مالك يتدلى. كان صاحبه ينظر إلى المسار أمامه ولا يشعر به. فكر نواف أن يناديه، ثم خطرت له فكرة صغيرة لا يحب الاعتراف بها: إذا توقف مالك لربط الحذاء، سيسهل تجاوزه.
لم يحتج الأمر خطابًا طويلًا. رفع صوته: «مالك، رباطك مفكوك». أشار إلى طرف المسار الآمن الذي حدده المنظمون، وكرر التنبيه حتى سمعه. تباطأ مالك وانتقل إلى الجانب دون اعتراض طريق الآخرين، وأكمل نواف بخطوات هادئة.
بعد لحظات أحس نواف أنه كان ينبغي أن يتأكد من وصوله إلى الجانب بأمان. نظر فوجد أحد المشرفين بقربه، فتوقف قليلًا خارج المسار ليسأله إن كان يحتاج شيئًا. لم يحاول شد الرباط عن بعد أو دفعه إلى الإسراع. انتظر حتى أشار مالك أنه بخير.
عندما عاد إلى الجري، لم تعد الأرقام كما رسمها. حاول أن يعوض الوقت باندفاع، ثم تذكر خطة المدرب. استعاد وتيرته بدل أن يحول التأخر إلى خطر جديد. مر به مشاركون، وبقي خط النهاية في مكانه كأنه لا يهتم بحساباته.
أنهى السباق دون الرقم الذي تمناه. جلس في المكان المخصص للراحة، ينظر إلى الساعة. لم يكن حزينًا لأنه ساعد مالك؛ كان حزينًا لأن التدريب الطويل لم يتحول إلى النتيجة التي تخيلها. سمح لنفسه بذلك دون أن يجعل الخير صفقة ينتظر ثمنها.
وصل مالك بعده بدقائق وشكره. لم يتفقا على تعادل، ولم يطلب أحد تغيير النتيجة. احتفظ السباق بأزمنته الحقيقية، واحتفظ كل منهما بما حدث بينهما. قال مالك: «كنت أراقب من أمامي، ولم أنتبه إلى حذائي».
عندما جاء أخو نواف، لم يسأله أولًا عن ترتيبه، بل عن تجربته. شرح نواف السباق كما جرى، بما فيه لحظة التردد والتنبيه والعودة إلى المسار. قال أخوه: «النتيجة مهمة لك، وهذا مفهوم. وما فعلته مهم أيضًا، حتى لو لم يصلح رقم اليوم».
في التدريب التالي، أضاف نواف إلى دفتره خانة لا يحسبها التطبيق: «ما الذي تعلمته؟». كتب أنه يراجع معداته قبل البدء، ويلتزم بوتيرته، وينبه من يرى خطرًا عليه. ثم أغلق الدفتر وذهب إلى المضمار.
كان مالك ينتظره عند البداية. تبادلا السؤال عن الحال قبل سؤال الزمن، وبدآ لفة جديدة. بقيت بينهما منافسة، لكنها صارت تتسع لأن يتمنى كل واحد للآخر أن يصل سالمًا، وأن يتحسن بجهده دون أن يتعثر أحد كي يسبقه.
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

بعد الصافرة
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
يعود حارس مرمى إلى الملعب بعد إصابة، لكن أصعب كرة تنتظره خارج المرمى.

المقعد الخشبي
٣١ أكتوبر ٢٠٢٦
تكتشف نورة أن والدها لم يرفض الانتقال إلى بيتها؛ بل خاف أن يصبح ضيفًا في حياة لم يسأل أحدٌ عنها.

موعد بعد العصر
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يخبر أب أرمل ابنته بموعد زواجه، فتكتشف أنها كانت تتوقع منه انتظارًا لم تتفق عليه معه.