الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصة اختيار المحررينواقعية ودراميةإحسانتطوعتنظيمتكافل مجتمعي

الخريطة التي جعلت الخير أقرب

ح
حمد خالد

١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٧ مشاهدة

الخريطة التي جعلت الخير أقرب

قصة خيالية أصلية؛ المبادرة والشخصيات والأحداث متخيلة.

دخل عاصم مقر الفريق التطوعي وهو يحمل حماسًا أكبر من خبرته. رأى صناديق مرتبة وسترات عمل وخريطة على الجدار، فتوقع أن يأخذ صندوقًا وينطلق فورًا. كان يريد في نهاية اليوم صورة تظهره واقفًا بين من ساعدهم، ليشعر أن وقته ترك أثرًا واضحًا.

استقبله مسؤول الفريق، وشرح أن العمل يتم ضمن جهة مخولة وبإجراءات تحفظ سلامة الناس وخصوصيتهم. سأله عن وقته وقدراته، ثم أعطاه مهمة مراجعة جدول المواعيد والعناوين مع زميل خبير. نظر عاصم إلى الطاولة وسأل: «ألن أخرج مع التوزيع؟».

قال المسؤول: «ربما لاحقًا. الآن نحتاج أن نعرف أين نذهب، ومتى، وما الذي وافق الناس على استلامه». لم تكن المهمة أقل احترامًا، لكنها أقل ظهورًا مما رسمه عاصم في خياله.

جلس أمام قائمة لا يستطيع نسخها إلى هاتفه الشخصي. كانت البيانات متاحة له بالقدر اللازم للعمل فقط. شرح له زميله كيف يستخدم النظام، وكيف يبلغ عن خطأ دون أن يرسل أسماء وعناوين في محادثات عامة. شعر أن البداية بطيئة، ثم ظهر أول تعارض في المواعيد.

كان عنوانان متشابهان يؤديان إلى شارع واحد، لكنهما لا يخصان البيت نفسه. لو افترض أن التشابه يعني التكرار، لألغى طلبًا صحيحًا. ولو أرسلهما بلا مراجعة، لربما وصلت سيارة إلى باب لا ينتظرها أحد. استعان بالمسؤول للتحقق عبر قناة الاتصال المعتمدة.

بعد التصحيح، نقل علامتين على الخريطة العامة التي لا تعرض بيانات شخصية. كان بجانبه متطوع مسن اسمه إبراهيم، يعرف طرق الحي من سنوات طويلة. أشار إلى ممر قصير، ثم قال إنه لا يناسب المركبة المستخدمة، وإن الطريق الأطول أفضل في الموعد المحدد.

أراد عاصم أن يختار أقصر مسافة كما يقترح التطبيق، لكنه سأل فريق النقل قبل الاعتماد. أكدوا ملاحظة إبراهيم بعد مراجعة الطريق. كتب السبب في السجل حتى يفهمه من يعمل بعده، بدل أن تصبح المعرفة معلقة بوجود شخص واحد.

عند تجهيز الصناديق، وجد طلبًا لمواد لا تتوفر كلها. اقترح أن يستبدل الناقص بشيء قريب، ثم تذكر أنهم لا يعرفون هل يناسب صاحبه. راجعوا الجهة المسؤولة، واتصل المختص بمن يلزم وفق الإجراء، ولم يقرر عاصم عن الأسرة ما تحتاجه دون سؤال.

مرّ الوقت، ولم يغادر المقر. رأى أصدقاءه يعودون من جولة، فشعر أن يومه يضيع بين مربعات وأرقام. في تلك اللحظة وصل اتصال من فريق النقل: أحد المستلمين طلب تغيير الموعد، وأبلغهم بذلك سابقًا، لكن التحديث لم يظهر في نسخة قديمة يحملونها.

راجع عاصم السجل مع زميله، وأرسل التصحيح عبر القناة الداخلية. عادت السيارة إلى مسار آخر مناسب بدل الانتظار أمام الباب. لم يرَ وجه صاحب الطلب، ولم يعرف تفاصيل حياته، لكنه أدرك أن احترام موعده صورة من احترامه.

بعد الجولة، جمع المسؤول الفريق لمراجعة ما حدث. لم يسأل فقط عن عدد الصناديق؛ سأل عن الأخطاء والتأخيرات والملاحظات التي تساعدهم على التحسن. ذكر عاصم تعارض العناوين، ولم يخجل من القول إنه احتاج إلى مساعدة في حله.

سأله إبراهيم إن كان يريد التقاط صورة للفريق في المكان المسموح بعيدًا عن البيانات. وافق، لكنه لم يعد يرى الصورة دليل العمل الوحيد. أخفى الشاشة كما تقتضي الإجراءات، وترك الخريطة الشخصية خارج الإطار، ثم عاد إلى الطاولة ليكمل تسليم المهمة.

قبل انصرافه، كتب خطوات واضحة للمتطوع التالي، وسجل ما بقي معلقًا ومن المسؤول عن متابعته. لم يترك وعدًا لا يملك تنفيذه، ولم يحمل نسخة من بيانات الناس إلى البيت كي يثبت أنه كان منشغلًا.

في الطريق، سأله صديقه: «كم شخصًا ساعدت اليوم؟». فكر عاصم ثم قال: «لا أستطيع أن أنسب العمل كله لنفسي. ساعدت الفريق على أن يصل إلى الناس كما اتفق معهم».

كانت إجابة أقل بريقًا من رقم كبير، لكنها أصدق. وفي الأسبوع التالي عاد في الموعد نفسه، وجلس إلى الخريطة دون تردد. صار يعرف أن الخير يحتاج من يحمل الصندوق، ومن يتحقق من طريقه، ومن يصون حق صاحبه في أن تصله المساعدة باحترام.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.