الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةواقعية ودراميةتعلمإتقان العملمخبزإحسان

أول رغيف في وردية الفجر

ح
حمد خالد

١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٢ مشاهدة

أول رغيف في وردية الفجر

قصة خيالية أصلية؛ الشخصيات والمخبز والأحداث متخيلة.

وصل راكان إلى المخبز قبل الفجر، فوجد الضوء في الداخل والشارع هادئًا. كان أول يوم له في عمل جديد، وقد تخيل أنه سيقف خلف الطاولة، يضع الخبز في الأكياس ويبتسم للزبائن. لكنه وجد أمامه قائمة مهام تبدأ قبل ظهور أول رغيف.

أعطاه الخباز ناصر ملابس العمل المناسبة، وشرح له إجراءات النظافة وحدود ما يستطيع فعله في مرحلة التدريب. لم يطلب منه الاقتراب من معدات ساخنة دون تأهيل، ولم يعتبر حماسه بديلًا عن التعلم. قال: «ابدأ بما تعرفه، واسأل قبل ما لا تعرفه».

رتب راكان الأكياس، وراجع الملصقات، وسجل ما يحتاج إليه الرف. كانت الأعمال بسيطة في نظره، حتى وضع كيسًا في المكان الخطأ، ثم احتاج الفريق إلى البحث عنه وقت انشغالهم. فهم أن الخطأ الصغير يستهلك وقتًا من أكثر من شخص.

عند خروج دفعة جديدة، وقف يتأمل الأرغفة. كانت الرائحة تجعله ينسى نعاسه. اختار رغيفًا جميلًا ليضعه في الواجهة، لكن ناصر طلب فحص الدفعة وفق طريقة العمل المعتمدة قبل عرضها. لا يكفي اللون الجميل ليختصر كل ما يجب التأكد منه.

ظهرت في بعض الأرغفة مشكلة جودة لا تجعلها مطابقة لما يبيعونه. سأل راكان إن كان يمكن وضعها في أكياس مع البقية؛ فالزبون قد لا يميز الفرق. لم يكن يقصد إضرار أحد، لكنه كان يحسب عدد الأرغفة التي ستخرج من الباب أكثر من حساب الثقة التي تدخل معه.

قال ناصر: «إذا وعدناه بمنتج معين، نلتزم به. ونفصل ما يحتاج مراجعة، ثم يقرر المسؤول ما يصلح استخدامه وما لا يصلح». لم يحول الخبز غير المطابق تلقائيًا إلى تبرع؛ كانت السلامة والجودة تحتاجان تقييمًا قبل أي تصرف.

مع فتح الباب، بدأت الطلبات تتوالى. جاء رجل مستعجل يكرر طلبه، وامرأة تريد معرفة مكونات منتج، وعامل يسأل عن السعر قبل أن يختار. أراد راكان أن يجيب بسرعة عن كل شيء، لكنه لم يعرف معلومة المكونات بدقة. عاد إلى البيانات المعتمدة واستعان بزميله بدل التخمين.

تأخر قليلًا، وشعر أنه بدا بطيئًا. شكره الزبون على التحقق، ثم مضى. كتب راكان المعلومة في ورقة تدريب داخلية، مع تنبيه لنفسه أن يرجع إلى المرجع عند التغيير. لم تعد السرعة عنده أن يملأ الصمت بأي جواب.

بعد انحسار الزحام، شرح ناصر اتفاق المخبز مع جهة مرخصة لتسلم فائض صالح وفق ضوابط واضحة. كانت الكميات والمواعيد والتخزين محسوبة، ولم تكن أكياسًا تُترك تحت الشمس مع صورة جميلة. ساعد راكان في تجهيز ما حدده المسؤول، وتأكد من ترتيب البيانات المطلوبة.

أراد تصوير لحظة التسليم ليخبر أصدقاءه أنه شارك في عمل خير. سأله ناصر إن كان يحتاج تصوير المستفيدين أو العاملين ليصدق أن العمل نافع. فكر راكان، ثم وضع هاتفه في خزانته. كان يمكنه الاعتزاز بجهده دون أن يجعل خصوصية الآخرين ثمنًا لذلك.

قبل انتهاء الوردية، عاد إلى الرفوف يعد ما بقي، ثم قارن ذلك بسجل الإنتاج. وجد فرقًا صغيرًا، فبحث عنه مع المسؤول حتى اكتشف طلبًا لم يُسجل. لم يكن الفرق مالًا ضائعًا، لكنه كان سيجعل تخطيط الغد أقل دقة لو تجاهله.

خرج من المخبز وقد استيقظ الشارع. حمل كيسه الذي اشتراه لنفسه، واتصل بأبيه. سأله الأب عن أول يوم، فقال: «لم أصنع رغيفًا بعد، لكنني تعلمت كم عملًا يحتاجه حتى يصل كما ينبغي».

في الوردية التالية، جاء في موعده، وراجع قائمته دون أن ينتظر من يذكره. لم يصبح خبيرًا في يوم، ولم يعد بذلك أحدًا. لكنه صار يرى في ترتيب كيس، والتحقق من معلومة، واحترام خصوصية إنسان، أجزاء من إتقان واحد. وعندما خرج أول رغيف، فهم أن الأمانة تبدأ قبل الواجهة، في المكان الذي لا يراه الزبون.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.