الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةحرفةاختيارماض متخيلسوق

يوم بلا منادٍ

ف
فيصل القرني

٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ١٦ مشاهدة

يوم بلا منادٍ

«إن ناديتُ بهذا الصوت، اشترى الناس سعالي.» ضحك جاره، ثم عاد إلى ربط رزم القماش. كان يونس قد استأجر ركنًا لأول مرة في سوق من أسواق هذه الحكاية المتخيلة. وعده المنادي أن يقف عنده ساعة، لكنه أرسل صبيًا يخبره أنه لن يأتي؛ مرض ابنه، وبقي عنده. قال الجار: «لا سوق لمن لا ينادي. ارفع صوتك، ولو خاف منك العابرون قليلًا.» فتح يونس فمه، فخرج نداء قصير ابتلعه صخب النحاس والعربات. جلس، يضع يده على رقبته. لم يبقَ معه ما يدفعه لمنادٍ آخر، وكان عليه بيع شيء قبل أجرة المبيت. مرت امرأة، ولمست طرف قماش أزرق. سألته: «هل يثبت لونه؟» «جربته في الماء.» «كل بائع يقول ذلك.» نظر إلى الإبريق الذي أعده للشرب، ثم إلى قطعة صغيرة احتفظ بها من طرف الثوب. وضعها في صحن أبيض وصب فوقها الماء. قال: «لا أعرف كيف أجعل صوتي أعلى منهم. لكن يمكنك أن تنتظري قليلًا وتري.» وقفت المرأة. جاء رجل يسألها عما تنظر إليه، ثم صبي يحمل نعال أبيه. لم يصرخ يونس. كان يقلب القماش في الصحن، ويترك الماء ظاهرًا لمن يريد. قال الرجل: «ألا يوجد عندك لون أحمر؟» «يوجد، لكنه يخف في الغسلة الأولى. أبيعك إياه أرخص إن قبلت ذلك.» أعاده الرجل، واختار الأزرق. أما المرأة فاشترت الأحمر لتستعمله في بطانة لا تظهر. عند الغروب صار فوق الطاولة صف من الصحون الصغيرة، وفي كل واحد قطعة. امتزجت رائحة القماش المبتل بالبخور، وأضاء يونس السراج ليرى الزبائن الماء بوضوح. قال له الجار: «جعلت الناس ينادون بعضهم. هذا أوفر من المنادي.» أجاب: «وأبطأ. لكنه يناسب حنجرتي.» عاد المنادي بعد يومين. وجد يونس يرتب الصحون، فوضع عربونه أمامه. «حقك عندي. لم أقف عند بضاعتك.» دفع يونس إليه قطعة من القماش الأزرق. «سأرد الباقي من حسابنا، إن رضيت أن تقف غدًا عند طرف السوق. قل لهم أن يأتوا ويروا، لا أن يصدقوا علو صوتك.» رفع المنادي القطعة نحو الضوء. «هذه أول مرة يطلب مني تاجر أن أقلل الكلام.»

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.