الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةأمانةحرفةماض متخيلسوق

غرزة عند المرفق

ر
رغد المحمدي

٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ٢٢ مشاهدة

غرزة عند المرفق

«لا تترك في العباءة أثرًا يدل على أنها رُقعت.» قلب صفوان القماش بين يديه. عند المرفق غرزة مائلة يعرفها؛ خيطها بنفسه لجاره الحمال قبل أسبوع. الآن يحملها تاجر الحي، ويطلب أن تبدو جديدة عند بيعها. قال الخياط الشاب: «أستطيع إصلاحها. لكن سأقول للمشتري إنها مستعملة.» «المشتري ابن أخي. يريد عباءة العيد، ولن يسأل عن عمر الخيط.» كان السوق في تلك البلدة المتخيلة يضيق قبل الغروب. يدق الصفارون النحاس، وتفوح رائحة البخور من الدكان المجاور، ويستعد صفوان لإشعال سراجه. الأجر الذي عرضه التاجر يكفي لشراء قماش طلبه منذ شهر. سأل: «كيف وصلت إليك عباءة عمران؟» «باعني إياها هذا الصباح. وهو حر فيما يملك، وأنا حر فيما اشتريت.» دخل عمران بعد قليل يحمل رزمة قماش إلى الصف المجاور. لمح العباءة، وأرخى كتفه عن الحبل. قال: «لا تقص طرفها يا صفوان. الطول مناسب لولدي.» نظر التاجر إلى الباب، ثم إلى الخياط. سأل صفوان: «ألم تبعها له؟» «أخذتها رهنًا إلى نهاية الأسبوع. أقرضني ثمن دواء زوجتي.» مد التاجر يده نحو العباءة. «قلت لك إن تأخرت يومًا بعتها. والأسبوع ينتهي غدًا.» قال عمران: «غدًا، لا اليوم. جئت أسألك أن تحسب أجرتي في حمل البضاعة من الدين.» لم يترك صفوان القماش. وضعه أمامهما، والرقعة ظاهرة تحت السراج. «لن أجددها للبيع الليلة. أستطيع تثبيت الرقعة حتى لا تنفك، وصاحبها يأخذها حين تنهيان حسابكما.» قال التاجر: «وتترك الأجر؟» أشار صفوان إلى مقصه. «القص لا يرجع. أما الحساب فما زال عندكما.» تأفف التاجر، لكنه جلس. عد عمران الرحلات التي حمل فيها بضاعته، وراجع معه الأيام، فاختلفا في رحلة ثم اتفقا على ثمنها. بقي مبلغ قليل وعد عمران بإحضاره بعد بيع حمولة الغد. لم يمنحه صفوان المال الذي لا يملكه، ولم يدّع حل كل ما بينهما. أعاد خياطة الطرف المفكوك، وترك الغرزة المائلة في مكانها. عند الغد جاء عمران بالمبلغ. وضع التاجر العباءة فوق كتفه من غير أن ينظر إلى الخياط. قال عمران: «سأحضرها بعد العيد، لتخفي الرقعة.» ابتسم صفوان وهو يطفئ السراج. «أحضرها حين تتمزق. إلى ذلك اليوم، الغرزة تمسك جيدًا.»

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.