الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةحرفةكرامةماض متخيلجوار

زوج لا يجتمع

ف
فيصل القرني

٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ١٨ مشاهدة

زوج لا يجتمع

«أريد الحذاء الأيمن فقط. أما الآخر فاتركه عندك.» أنزل الإسكافي غانم قالب الجلد إلى ركبتيه. أمامه وقف حمزة، مستندًا إلى عكازه. يعرفه منذ سنوات، لكنه لم يصنع له حذاء منذ أن فقد ساقه اليسرى. قال غانم: «أصنع الاثنين، وتبقي الثاني بدلًا إذا بلي الأول.» ابتسم حمزة. «إذا بلي الأيمن، ماذا أفعل بالأيسر؟ أتبادل الساقين؟» خفض غانم القالب، ثم ضحك من فكرته هو. «صحيح. كنت أفكر في الزوج قبل أن أفكر في قدمك.» كان دكانه في سوق متخيل من زمن بعيد، تفوح فيه رائحة الجلد الرطب، وتصل إليه طرقات النحاس ونداءات بائعي البخور. تحت السراج صف من القوالب، لا يكتمل واحد في عينه إلا إذا جاوره مثله. أخذ قياس القدم اليمنى، وطلب من حمزة أن يعود بعد يومين. عند الموعد جاء حمزة مع صديقه بكر، الذي يستعمل عكازًا أيضًا، ولم تبقَ له إلا ساقه اليسرى. قال حمزة: «هذا زبون النصف الآخر. قلت له إنك ستفرح حين يجتمع الزوج أخيرًا.» نظر غانم إلى قدميهما، ثم إلى القالب الذي أعده. قال: «لن يجتمعا. قدم بكر أطول من قدمك.» أجاب بكر: «وهل جئنا لنمشي في قدم واحدة؟ خذ قياسي أيضًا.» جلس غانم على مقعده، ووضع القالب الأول إلى جانب الثاني. لم يعد يراهما زوجًا ناقصًا، بل طلبيتين يعرف صاحبيهما. سأل حمزة عن الجلد الذي يريده، فاختار لينًا عند الكاحل. أما بكر فطلب نعلًا أثخن، لأنه يعمل واقفًا عند دكان الحبوب. قال غانم: «أضع الحافة اللينة نفسها لكما؟» أجاب بكر: «ليست مثل حافته. حذائي القديم يحتك من هنا حين أستند إلى المنضدة. أريد أن أجربه وأنا واقف، لا أن أمد قدمي وأعجب بشكله فقط.» قال حمزة: «وأنا سأجربه في المشي. لا تدعنا نخرج فنعود كل واحد بشكوى أخيه.» اختلف اللونان قليلًا؛ لم يحاول غانم إخفاء الاختلاف كي يرضى الصف فوق الرف. حين عادا للاستلام، مشى كل منهما خطوات في الممر. توقف بكر عند موضع صغير يضغط عليه، فعاد غانم إلى الجلد وعدله. انتظر حمزة من غير أن يستعجل صاحبه. قال: «لم نشترِ نصف زوج، إذن.» رد غانم: «اشتريتما حذاءين. كل واحد كامل على قدمه.» من الرف سقط قالب قديم، فمد حمزة عكازه وقربه إلى يد الإسكافي. أعاده غانم وحده، وترك مكانًا إلى جواره. في دفتره كتب طلبيتي ذلك اليوم في سطرين منفصلين، ولم يعد يجمع الأثمان قبل أن يأخذ القياس.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.