الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةحرفةسوق قديمماض متخيلفخار

موضع الإبهام

ح
حمد خالد

٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ٢٢ مشاهدة

موضع الإبهام

«هذه الجرّة لا أشتريها.» دفع التاجر جرّة صغيرة إلى حافة حصير هاجر. تحت عنقها انبعاج ضحل، كأن إصبعًا ضغط الطين قبل أن يجف. قالت: «هي سليمة. اختبرتها بالماء.» «طلبت اثنتي عشرة جرّة متشابهة. هذه تفسد الصف.» كانت هاجر قد بدأت تصنع جرار الماء الصغيرة في ورشة أبيها القديمة. في السوق تتصاعد رائحة البخور من دكان ملاصق، وتختلط ضربات مطرقة النحاس بصوت عجلة الفخار. على ثمن الطلبية كانت تعوّل لشراء طين دفعة جديدة. رفعت الجرّة إلى الضوء. بقيت علامة إبهامها ظاهرة رغم التزجيج. كانت قد أمسكتها وهي رطبة لتمنع سقوطها، وتركتها تجف على حالها. قالت: «أعوضك بواحدة غدًا.» «آتي غدًا بعد العصر. إن لم يكمل العدد، أخذت من غيرك.» خرج التاجر، وبقيت الجرّة على الحصير. همت هاجر بوضعها في ركن القطع التي لا تعرضها، حين طلبت أم فهد جرّة خفيفة. كانت المرأة تزور السوق كل أسبوع، وتضم كفها اليمنى داخل كمها في الأيام الباردة. قالت هاجر: «جربي هذه. مقبضها واسع.» رفعتها أم فهد فارغة، ثم وضعتها. «تدور في يدي عندما أميلها. أصابعي لا تنطبق كما كانت.» قدمت لها هاجر جرّة أصغر. حدث الأمر نفسه. وعندما مدت يدها إلى الثالثة، سبقتها المرأة إلى الجرّة المنبعجة. «وهذه، ما بها؟» «أثر إصبعي. لم يقبلها التاجر.» ملأتها هاجر إلى نصفها. أمسكت أم فهد المقبض، واستقر إبهامها في التجويف. مالت الجرّة فوق الكأس من دون أن تنزلق. «هذه تثبت. كنت أظن أنني سأحتاج إلى من يصب لي الماء كل مرة، لكن إبهامي يجد هنا مكانًا يستند إليه.» ناولتها هاجر كأسًا ثانية. «جربي مرة أخرى. لعل الفرق في كمية الماء.» زادتا الماء، وأعادتا التجربة. هذه المرة احتاجت المرأة يدها اليسرى تحت القاعدة، لكن الإبهام بقي ثابتًا. قالت: «أريدها، بشرط أن تصنعي لأختي مثلها. هي تستعمل يدها اليسرى.» أحضرت هاجر قطعة طين، وطلبت منها أن تمسكها قرب موضع المقبض. «سأجعل موضع الإبهام في الجهة الأخرى. لكن أريد أختك أن تجربها قبل الحرق.» في اليوم التالي عاد التاجر، فوجد جراره الاثنتي عشرة متشابهة على الرف. وبجوار العجلة ثلاث جرار رطبة، تختلف مقابضها قليلًا. سأل: «لماذا لا تصلحين هذه قبل أن تجف؟» قالت هاجر وهي تفسح مكانًا لامرأتين عند الباب: «لأن صاحباتها لم يجربنها بعد.» أدخلت أم فهد إبهامها في موضعه، وأمالت الجرّة الفارغة نحو كأس متخيلة. ابتسمت هاجر، ثم قربت التجويف مقدار شعرة.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.