الطريق الذي علّم صانع النعال

حكاية أدبية خيالية في سوق قديم متخيل؛ لا توثق تقنيات صناعة تاريخية أو تقدم تعليمات مهنية.
أحب جلال النعال الجديدة المعلقة في واجهة دكان معلمه. تبدو مرتبة ولامعة، ويقف بعض المارة لتأملها قبل السؤال. كان يتعلم الصنعة في حدود ما يسمح به المعلم، ويحلم باليوم الذي يختار فيه زبون قطعة صنعها بنفسه. ظن أن جمال الواجهة هو أول الطريق إلى رضا الناس وآخره.
دخل مسافر يحمل نعليه القديمتين، وطلب من الصانع مرزوق أن ينظر إليهما. لم يبدأ الرجل بالسؤال عن أجمل ما في الدكان، بل شرح أنه يحتاج ما يناسب طريقه ووقته وقدرته. قاطعه جلال مشيرًا إلى قطعة جديدة، وقال إنها أجمل بكثير مما جاء به. سكت المسافر لحظة، ثم أعاد نعليه إلى قربه.
طلب مرزوق من تلميذه أن ينتظر نهاية الحديث. سأل الرجل عما يريد الحفاظ عليه، وما الذي يشغله في القطعة الحالية، ومتى يحتاج العودة إلى طريقه. لم يقدم وعدًا قبل الفحص، ولم يعرض على الرجل ما يزيد الثمن لمجرد أن الواجهة تحتاج إلى زبون. كان يسمع استخدام الشيء قبل اختيار شكله.
تبين في عالم الحكاية أن بعض ما طلبه المسافر يمكن النظر فيه ضمن عمل الصانع، وبعضه يحتاج توضيحًا قبل الاتفاق. عرض مرزوق الخيارات التي يعرفها دون ضمان لا يملكه، وحدد ما يستطيع إنجازه في الوقت المتاح. لم يطلب من الرجل قبول جديد كامل لأن القديم لا يليق بصورة الدكان.
شعر جلال أن معلمه يضيع فرصة بيع. قال ذلك بعد أن خرج المسافر إلى حاجته الأخرى، فطلب منه مرزوق أن يذكر ما عرفه عن طريق الرجل. لم يتذكر إلا أنه مسافر. كان قد نظر إلى القطعة القديمة، وسمع في ذهنه طلبًا لم يقله صاحبها: أريد ما يعجبك أنت في الواجهة.
راجع التلميذ نفسه، ثم طلب أن يشارك في العمل الذي اتفق عليه الرجل تحت الإشراف المناسب. أعطاه المعلم مهمة محدودة تناسب تعلمه، وأبقيا ما يحتاج خبرة وأدوات خاصة في يد صاحب الصنعة. لم يحولا الحماس إلى تجربة على حاجة زبون لا يعرف أن المتعلم يحاول إثبات قدرته من خلالها.
أثناء العمل وجد جلال تفصيلًا يستطيع تجميله، لكنه سيحتاج وقتًا إضافيًا وقد يغير شيئًا لم يطلبه المسافر. سأل بدل أن ينفذ. شرح المعلم أن الإضافة تحتاج موافقة صاحبها وفهم أثرها، وأن كثرة ما نفعله لا تساوي دائمًا جودة ما نقدمه. أعاد جلال القطعة إلى مسار العمل المتفق عليه.
عاد الرجل في الموعد، وفحص ما أُنجز بالطريقة التي ناسبت الاتفاق. سأل عن فرق صغير، فشرح الصانع ما يعرفه دون أن يغطيه بعبارة هذه صنعة لا تفهمها. أصغى جلال إلى السؤال، وأدرك أن المراجعة ليست إهانة للصانع؛ هي حق لمن سيحمل نتيجة العمل معه بعد أن يغادر الدكان.
شكر المسافر مرزوقًا على وضوحه، ثم التفت إلى التلميذ وابتسم. لم يعلن أن هذه أفضل نعال في العالم، ولم يحتاجا إلى ذلك ليعرفا أن خدمة مناسبة تمت. دفع ما اتفقوا عليه، وأخذ أغراضه، وغادر إلى الطريق الذي حاول جلال أخيرًا أن يتخيله كما وصفه صاحبه، لا كما أراد رسمه له.
في المساء رتب التلميذ الواجهة، وبقي يحب لمعان الجديد. لم يتعلم أن الزينة سيئة أو أن القديم أفضل دائمًا، بل أن لكل اختيار صاحبه وغرضه. وضع قرب ذهنه سؤالًا جديدًا يسبق عرض أي قطعة: ما الذي يحتاجه من سيستخدمها، وهل سمعته حتى النهاية قبل أن أجيبه؟
حين دخل زبون آخر في الصباح، وقف جلال مستعدًا. كاد يشير فورًا إلى أجمل ما علقه أمس، ثم رحب بالرجل وتركه يشرح. ابتسم مرزوق من خلف الطاولة، ولم يتدخل. كان الطريق الذي لم يمش فيه التلميذ قد علمه درسًا يصلح لكل دكان: الإتقان يبدأ أحيانًا من لحظة يصمت فيها الصانع، ليدع حاجة الناس تتكلم.
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

يوم بلا منادٍ
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يغيب منادي سوق الأقمشة، فيجرّب بائع صامت طريقة للبيع لا تتسع لها حنجرته.

زوج لا يجتمع
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يطلب زبون من إسكافي نصف زوج من الأحذية، ثم يأتي صاحبه ليطلب النصف الذي لا يناسبه.

غرزة عند المرفق
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
يعرض تاجر على خياط شاب ثمنًا كبيرًا لعباءة جديدة، ثم يكتشف الشاب ما يريد المشتري أن يختفي تحت قماشها.