الكتاب الذي غيّر جملته الأخيرة

قصة غموض خيالية مناسبة للأسرة، بلا أحداث خارقة.
توقف ناصر عند آخر سطر، وأعاد قراءته ثلاث مرات. قبل الاستراحة كان بطل الحكاية قد اختار العودة إلى قريته، أما الآن فالجملة تقول إنه بقي في الميناء ينتظر الرسالة. كان الكتاب بين يديه يحمل الغلاف القماشي نفسه، وفي طرفه بقعة باهتة يتذكرها. لم يكن اختلاف كلمة، بل نهاية كاملة تغير وجه القصة.
نظر إلى قاعة المطالعة القديمة. بقي أمينها قرب الطاولة البعيدة، وقارئ آخر يجمع أوراقه عند النافذة. لم يفتح أحد حديثًا معه عن الكتاب، ولم يكن قد أخبر أحدًا أنه توقف قبل النهاية. شعر أن السكون حوله صار أثقل، ثم قرر أن يسأل الأمين بدل أن يقرأ السطر للمرة الرابعة بحثًا عن جواب لا تحمله الكلمات وحدها.
شرح له ما حدث، فقال الأمين سامح إنهما سيتحققان من النسخة والسجل المسموح بمراجعته. لم يقترح ناصر اتهام القارئ الآخر بتبديل الكتاب، رغم أنه كان أقرب شخص إلى الطاولة. كان يعرف فقط أنه ترك كتابًا أثناء استراحة قصيرة ثم أخذ كتابًا من المكان الذي ظنه مكانه. وما بين الأمرين لم يراقبه.
سأل سامح عن العلامة التي حفظها ناصر. ذكر لون الغلاف والبقعة، ثم تردد عند موضع الشريط الذي كان يفصل الصفحات. قال إنه كان قريبًا من الأعلى، لكنه لا يثق في ذلك تمامًا. فرقا بين ما يتذكره بوضوح وما أضافه الخوف من احتمال غريب، ووضعا النسخة على الطاولة ليفحصها الأمين دون العبث بتجليدها.
كان رقم النسخة ظاهرًا في الموضع المعتاد، أما صفحة بياناتها فبينت أنها طبعة مراجعة في عالم الحكاية المتخيل. لم يتذكر ناصر أنه نظر إلى هذه الصفحة في البداية. قال إن الغلاف يؤكد أنها هي، فأجابه الأمين بأن الأغلفة المتشابهة قد تصنع ثقة أكبر مما تستحق، وأن عليهما معرفة ما يوجد في القاعة قبل حسم ذلك.
راجع سامح مواضع الكتب التي أعيدت في ذلك المساء. وجد نسخة أخرى من العمل، بغلاف قماشي قريب اللون وموضع باهت على الطرف نفسه تقريبًا. كانت من طبعة مختلفة، وفيها النهاية التي وصفها ناصر. لم يصبح وجود النسختين وحده تفسيرًا لكل حركة، لكنه أعطاهما شيئًا يمكن مقارنته بدل الخوف من صفحة تغير نفسها.
قال الموظف الذي تولى ترتيب الطاولة إنه وضع النسخة الثانية ضمن الكتب المسموح بتصفحها، ثم نقل ما أعاده القراء إلى عربة المراجعة. لم يلاحظ أن ناصر عاد إلى الموضع نفسه بعد الاستراحة وأخذ كتابًا مشابهًا. راجعا ترتيب الأحداث معه دون لوم متعجل؛ كان هناك التباس في الاستعمال، لا دليل على خدعة مقصودة.
شعر ناصر بالراحة، ثم بشيء من الحرج. كان على وشك أن يحكي لأخيه عن كتاب يكتب نهاية جديدة عندما يغيب قارئه. ضحك سامح بلطف، وقال إن الخيال مفيد في الحكايات، لكنه يحتاج حدودًا عندما نصف ما جرى لأشخاص ومكان حقيقيين. لم يجعل خوف ناصر مادة لسخرية القراء.
طلب ناصر قراءة النهايتين بإذن المكتبة، ووضع الأمين كل نسخة في موضع واضح. بدأ يلاحظ فروقًا أخرى في الفصول، لا في آخر جملة فقط. كان ذهنه قد قفز إلى النهاية التي يعرفها، فلم يراجع العلامات التي سبقتها. صارت المقارنة قراءة ممتعة، بعد أن كانت أول لحظة منها بابًا لقلق ثقيل.
اقترح سامح تمييز الطبعات في بطاقة الرف بطريقة يفهمها القارئ، ورفع الفكرة لمن يتولى ترتيب القاعة. لم يعد بتغيير كل نظام المكتبة بسبب موقف واحد، لكنه وثق الالتباس بما يكفي لمراجعته. شكره ناصر، وأعاد الكتابين إلى المكان الذي حدد له، دون أن يضع بنفسه علامة دائمة على أغلفتهما.
عند الخروج التفت إلى الطاولة التي بدأ عندها الأمر. لم تتحرك الكتب، ولم يعد الصمت يحمل له معنى غريبًا. بقيت هناك حكايتان لهما نهايتان مختلفتان، وقارئ تعلم ألا يجعل تشابه الغلاف هوية كاملة. وفي الطريق أخبر أخاه باللغز كما حُل، فكانت قصته مشوقة بما يكفي دون أن يترك فيها كذبة صغيرة من أجل نهاية أقوى.
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

المفتاح في المزهرية
٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦
كان المفتاح يظهر كل ليلة داخل مزهرية مختومة، إلى أن لاحظ جابر أن الأرض تحتها أكثر دفئًا من بقية الغرفة.

الخطوات التي لم تعبر الفناء
١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
تظهر علامات تشبه آثار أحذية عند جدار فناء مقفل، ويقود فحص هادئ إلى شيء كان معلقًا أمام الجميع.

مخرج لا يضيء
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يدخل خمسة زوار عرضًا بلا ضوء، ثم تبدأ الحلقة الفارغة خلفهم في جذب حبل الإرشاد.