الطابق الصامت

«هالة، لا تنزلي هنا.»
رفعت هالة رأسها. كان الصوت صادرًا من سقف المصعد، هادئًا إلى حد جعلها تترك إصبعها معلقًا فوق الزر.
قالت: «من يتكلم؟»
أجابها صفير قصير. انفتح الباب على ممر بلا إنارة، تتوسطه بقعة بيضاء من نافذة بعيدة. على الشاشة ظهر خط أفقي بدل رقم الطابق.
ضربت زر الإغلاق. لم يتحرك الباب. اتصلت بأخيها رائد، الذي كان ينتظرها في الشقة.
«المصعد توقف. هل تعرف طابقًا بين الثالث والرابع؟»
«طابق الخدمات القديم. زرّه ملغى. ابقي مكانك؛ سأنزل إليك من الدرج.»
«سمعت صوت امرأة يعرف اسمي.»
سكت لحظة، ثم قال: «يمكنك سماعي الآن، صحيح؟ اتركي الاتصال مفتوحًا.»
لم تخرج هالة. أسندت حقيبتها إلى حاجز الباب كي لا ينغلق عليها إن اضطرت إلى التحرك. من آخر الممر جاء احتكاك خفيف، كأن حذاءً يُجر فوق الغبار.
«رائد، هناك أحد.»
«أنا عند الدرج. أضيئي باتجاهي.»
رفعت هاتفها. ظهرت في الغبار آثار حذاء واحد، متتابعة إلى غرفة ذات باب معدني موارب. لم يكن بجوارها أثر القدم الأخرى.
همست: «هل وصلت؟»
«باب الدرج مقفل من جهتي. اسمعي صوتي فقط. لا تتبعي أي شيء.»
من الغرفة المواربة خرج صوت رائد نفسه:
«هالة، افتحي. يداي مشغولتان.»
شدّت حقيبتها إلى صدرها. جاء صوته في الهاتف مرتفعًا: «أنا لم أقل ذلك!»
مال الباب المعدني ببطء. امتد من خلفه كمّ رمادي، ثم اندفع شيء طويل إلى الممر. حبس الهواء في حلقها. توقفت القطعة تحت ضوء النافذة: سلّم مطوي، عالق به معطف عامل.
في أعلاه مكبر صوت صغير، يومض عند كل حركة.
قالت: «هناك جهاز خلف الباب. أسمع منه كلامنا.»
«نظام النداء القديم! كان أبي يصلح هذه الأجهزة. يصير فيها صدى حين تتلامس الأسلاك.»
وجدت هالة على جانب المصعد مفتاح فتح يدوي. أدارت المقبض. تحرّك الباب قليلًا، ثم سُمع ارتطام من جهة الدرج، وظهر وجه رائد في الضوء.
قال وهو يلتقط أنفاسه: «أخرجي الحقيبة، وتعالي. لا أريد اختبار نظرية الأسلاك الليلة.»
في الخارج، ضحك رائد وهو يفرك كفه المخدوشة. «المعطف كاد يجعلني أتركك واهرب.»
فتحت هالة تسجيل الاتصال لتسمعه كيف قلّد الجهاز صوته. خرجت منه كلماتهما، وصفير المصعد، واحتكاك السلّم.
لكن الجملة الأولى لم تكن في التسجيل.
قال رائد: «أنت متأكدة أنه ناداك باسمك؟»
قبل أن تجيب، أضاء هاتفها بإشعار من التسجيل المتوقف: تبقّت ثانية واحدة.
لمستها.
قال صوتها، من مكان بعيد: «رائد، لا تنزل هنا.»
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

الدقّة الرابعة
١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
أوقف سليم ساعة جدّه كي ينام، لكن شيئًا في الجدار أكمل العدّ.

صوت تحت البلاط
١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
كان البيت الخالي يكرر نغمة هاتف فارس، بينما هاتفه الوحيد مطفأ في جيبه.

المقعد السابع
١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
دخل مازن حافلة والده القديمة ليأخذ حقيبته، فوجد نافذة واحدة دافئة من الداخل.