الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةخيال علميمستقبلاختياررحلةهوية

نسختان من الرحلة

ف
فيصل القرني

٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ١٨ مشاهدة

نسختان من الرحلة

«اترك حقيبتي. أنت تتذكرها لأنك تتذكرني.» لم يرفع الرجل الآخر صوته. وضع الحقيبة بينهما، وقال: «وأنت تقول جملتي قبل أن أقولها. هذا لا يجعلك الأصل.» وقف أمجدان متطابقان عند بوابة النقل في ميناء المريخ. قبل دقيقة كان أمجد واحدًا قد دخل من الأرض، ليلحق بسفينة البحث المتجهة إلى حزام الكويكبات. أعاد انقطاع قصير في الكهرباء تشغيل عملية البناء مرتين، بعد أن كانت البوابة قد أتمت مسح الجسد الأول وتفكيكه. قالت فنية البوابة، ديمة: «أغلقت المسار. لن يظهر ثالث. لكن لا توجد علامة في أجسادكما تميز بناءً عن آخر.» أشار أمجد الأقرب إلى الباب إلى الندبة فوق حاجبه. «هذه من دراجة أخي.» لمس الآخر الندبة نفسها. «وأعرف أين أخفى الدراجة بعد الحادث.» كانت السفينة ستقلع بعد ساعة. مقعد واحد، وعقد واحد، وسنوات من الدراسة دفعت كلفتها الأسرة لتصل إلى هذه الرحلة. أما خطة الطوارئ في الميناء فكانت تضمن لكل إنسان مكانًا وطعامًا، لا رحلة جديدة إلى الكويكبات. قال الأول: «نعود إلى الأرض معًا، حتى يتضح الأمر.» قال الثاني: «ونخسر الرحلة لأننا لا نستطيع الاختلاف؟ لقد انتظرناها منذ كنا في الثانية عشرة.» لم يستطع أحدهما أن يقول للآخر إن حلمه أقل صدقًا. خرجا من قاعة البوابة إلى الشرفة. تحت الزجاج امتد وادي المريخ، وفي قاعه خطوط مبانٍ صغيرة. رفع الأول وجهه إلى السفينة المعلقة قرب البرج. أما الثاني فحدق في عربة تتحرك ببطء في الوادي، تحمل وحدات سكنية إلى مستوطنة جديدة. قال: «كنت أقول دائمًا إنني أريد أن أعيش هنا شهرًا، لا أن أراه في ساعة انتظار.» «كنت أقول ذلك أيضًا.» «لكنك الآن تنظر إلى السفينة.» صمتا. خلال الدقائق القليلة منذ خروجهما، بدأ كل واحد يحمل ذكرى لا يملكها الآخر. الأول سمع من ملاح السفينة عن عطل بسيط أخّر تحميلها. الثاني رأى امرأة في العربة ترفع شتلة نحو النافذة. قال الأول: «لا أريد أن تبقى لأنني سبقتك إلى الكلام.» «ولا أريد أن أذهب لمجرد أنني كنت أريد ذلك قبل أن أرى هذا المكان. سأطلب العودة إلى الأرض بعد شهر. أريد أن أعرف يومًا واحدًا هنا من بدايته.» أعطتهما ديمة ورقتين، ليكتب كل منهما اختياره وحده. لم يكن الاختلاف إثباتًا لهوية أحدهما؛ كان فقط أول قرار لا يصدرانه بصوت واحد. عند البوابة المؤدية إلى السفينة، فتح أمجد حقيبته. فيها دفتران؛ واحد للعمل، وآخر تركه فارغًا للخواطر. أعطى الفارغ للرجل الذي سيبقى. قال: «ستحتاج إليه قبل أن أحتاج أنا إلى دفتر ثانٍ.» «ستتصل حين تصل؟» «إذا لم تسبقني أنت.» بعد أسبوع وصلته صورة للوادي، ملتقطة من مستوى الأرض. كتب صاحبها: «أمجد هنا.» نظر المسافر إلى اسمه فوق المقعد. لم يحذفه. كتب تحته في الدفتر: «وأمجد هنا أيضًا.»

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.