الرسالة التي تأخرت عند القمر

قصة خيال علمي؛ المحطة والشخصيات والأحداث متخيلة، ولا تصف تقنية قائمة بعينها.
كان راشد يحب المصباح الأخضر فوق طاولة الاتصال. حين يضيء في محطة السدرة، القريبة من القمر في هذا المستقبل المتخيل، يشعر أن المسافة بين الطاقم وأهله صارت أقصر. تولى نوبته الجديدة بحماس، ووعد نفسه أن ينهي كل رسالة بسرعة حتى لا ينتظر أحد.
في صباح هادئ وصلت إليه رسالة من زميل يطمئن أسرته بعد انتهاء تجربة تدريبية. كان النص بسيطًا، لكنه يعرف أن صاحبه ينتظر إشعار الوصول. ضغط راشد أمر الإرسال، فتحرك شريط على الشاشة ثم توقف قبل نهايته. لم يظهر إشعار نجاح، ولم تظهر رسالة فشل واضحة أيضًا.
سأله زميله إن كانت الرسالة قد وصلت. كادت كلمة نعم تخرج من فمه؛ فالخلل صغير فيما يبدو، والقول إن الأمور تسير جيدًا أسهل من الاعتراف بالحيرة. لكنه تذكر أن الاطمئنان المبني على التخمين قد يجعل الآخرين ينتظرون في المكان الخطأ. أجاب أنه أرسل الطلب، لكنه لم يتحقق من الوصول بعد.
جاءت المشرفة مريم، فوجدته يحدق في الشريط. لم تطلب منه الضغط مرارًا، بل سألته عما يعرفه تحديدًا. عرض أمامها وقت المحاولة والحالة الظاهرة. أما السبب فلم يكن يعرفه، فترك خانته بلا تفسير. قالت إن وصف المشكلة كما هي أول عمل مفيد، وإن كثرة الأزرار لا تعني سرعة الحل.
كان النظام في القصة يتيح تأخير الرسائل غير العاجلة أثناء صيانة دورية، لكن راشد لم يكن متأكدًا من انطباق ذلك على هذه المحاولة. راجع سجل التعليمات المخصص لنوبته، ثم أحال السؤال إلى مسؤول الاتصال المخول. لم يبدل إعدادات خارج صلاحياته، ولم يخترع عطلًا كبيرًا ليبدو صاحب خبرة.
أراد زميله إرسال نسخة جديدة من قناة أخرى. شرح له راشد أن عليهما أولًا معرفة حالة النسخة السابقة حتى لا تصل رسائل متعارضة. اتفقا على تحديث واضح في وقت محدد، دون وعد بموعد وصول لا يملكانه. جلس الزميل قرب النافذة يراقب القمر، وبقي القلق في وجهه، لكنه عرف ما الذي يجري.
عاد المسؤول برد يفيد أن الرسالة في قائمة انتظار الصيانة، وأن القناة تعمل ضمن ترتيبها المعتاد في ذلك اليوم. أعطاه إجراء المتابعة المناسب. نفذه راشد، وسجل ما فعله، ثم أبلغ زميله بالحالة الجديدة. لم يقل إن المشكلة انتهت قبل أن يرى إشعار التسلم المخصص.
خلال الانتظار حان وقت استراحة الطاقم. اقترح راشد أن يبقى وحده أمام الشاشة حتى يصل الرد، لكن مريم رتبت تسليمًا واضحًا للمتابعة. شرحت أن العمل المسؤول لا يقوم على شخص متعب يتظاهر بأنه لا يحتاج راحة، بل على أدوار معلومة يستطيع كل عضو الوثوق بها.
عند عودته وجد الإشعار المنتظر. قرأه مع زميله، ثم فتحا رسالة الأسرة التي وصلت لاحقًا. كانت تحمل سؤالًا عن لون الأرض من نافذة المحطة. ابتسم الرجل، وأملى وصفًا قصيرًا، بينما أحس راشد أن الطمأنينة هذه المرة حقيقية، لأنها جاءت بعد تحقق لا بعد تخمين جميل.
في مراجعة النوبة كتب راشد اقتراحًا صغيرًا يميز بوضوح بين إرسال الطلب، وانتظاره، وتسلمه. عرض الاقتراح على الفريق ليقيّمه، ولم ينسب إليه حلًا لكل تأخير. أضافت مريم ملاحظة عن تحديث أصحاب الرسائل في الأوقات المتفق عليها، حتى لا يملأ الصمت فراغه بالمخاوف.
قبل أن يغادر، لمح المصباح الأخضر من جديد. ظل يحب ضوءه، لكنه لم يعد يراه جوابًا عن كل سؤال. تعلم أن لكل علامة معنى محدودًا، وأن خدمة الناس تبدأ بمعرفة ذلك المعنى. وبين الأرض والقمر بقيت المسافة واسعة، بينما قربت كلمة صادقة القلوب أكثر مما يفعل وعد لا يستند إلى علم.
وفي مساء المحطة كتب لأخيه الصغير عن يومه. لم يصف نفسه بمن أنقذ الاتصالات، بل بمن تعلم أن يقول لا أعرف ثم يبحث بالطريقة الصحيحة. كانت تلك الرسالة أقصر من تقريره، لكنها حملت الدرس الذي أراد الاحتفاظ به طويلًا.
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

صيف لا ينام
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
تستيقظ حارسة حديقة فضائية قبل موعدها بسنوات، وتجد أن العودة إلى النوم قد تمحو الغابة التي تحملها.

نسختان من الرحلة
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يخرج رجل من بوابة النقل، ثم يخرج الرجل نفسه مرة ثانية، ولكل منهما ذكرى المقعد الوحيد المحجوز.

مذاق يوم آخر
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦
يستطيع طاهٍ تذوق طعام الغد قبل إعداده، لكن وجبة واحدة تخرج عن كل ما تريه النافذة.