الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةخيال علميمسؤوليةبذورسفر فضائيزمن

صيف لا ينام

ف
فيصل القرني

٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ٢٠ مشاهدة

صيف لا ينام

«لا تعيديني إلى السرير قبل أن أرى الأوراق.» أبعدت سُلاف يد زميلها ماجد عن مفتاح النوم الطويل. خلف الزجاج بدت حديقة السفينة خضراء، لكن على أوراقها بقع شفافة لم تكن موجودة قبل انطلاق الرحلة. قال ماجد: «المجسات تقول إن الماء والضوء مناسبان. قد يكون اللون طبيعيًا في الدورة الجديدة.» كانت السفينة تعبر المسافة إلى مستعمرة بعيدة، وطاقمها ينام على دفعات. تحمل الحديقة نباتات أمًّا لإنتاج بذور الحصاد الأول هناك. أما مخزون البذور الاحتياطي فقد وصل مشعّعًا بعد تسرب في حجرة الشحن، ولم تعد قدرته على الإنبات مضمونة. أيقظتها آلة المراقبة لأن الأشجار توقفت عن تكوين براعم جديدة، قبل نهاية رحلتها بثماني سنوات. قالت سُلاف: «أرني تغير طول النهار منذ التحويل الأخير.» أدار ماجد الشاشة. خفضت السفينة اختلاف الفصول لتوفر الطاقة، ثم زادت الإضاءة كلما أبطأ نمو الأوراق. بقيت الحرارة ملائمة، واستمرت الخضرة، لكن بعض الأشجار لم تحصل على شتائها الذي يسبق الإزهار. «هي تعيش، لكنها لا تصل إلى موسم الثمر.» قال: «أعيدي الفصول إلى البرنامج، ثم نامي. نستطيع إيقاظك قبل الوصول بعام.» لمست سُلاف برعمًا جافًا. «لا توجد وصفة واحدة لكل ما هنا. سنحتاج إلى مراقبة الاستجابة وتلقيح الأزهار حين تخرج. لم نجهز الحديقة لتقوم بكل ذلك وحدها طوال الرحلة؛ كان يفترض أن تصل البذور الاحتياطية سليمة.» كانت آلات العناية تستطيع الري والتقليم البسيط، لا اختيار الزهرة التي تصلح أن تحمل أول جيل. يمكنهما إيقاظ مزيد من الطاقم بالتناوب، لكن كل سنة يقضيها أحدهم مستيقظًا لن تعود إلى عمره بعد الوصول. قال ماجد: «لدينا أسماء المتطوعين. لن يكون القرار على كتفيك وحدك.» «أعرف. أيقظهم في الموعد. أريد أن أبدأ أنا الموسم الأول.» جلس إلى جوارها. «ابنتك ستستيقظ عند الوصول كما تركتها تقريبًا. أما أنت فستكبرين.» حركت سُلاف خاتمها فوق مفصل إصبعها، ثم خلعت قفاز العمل. «وإذا وصلت إلى أرض لا تجد ما تزرعه، ماذا ستفعل بالسنوات التي حفظتها لي؟ لا أريد أن أخسر عمري هنا كله. أريد أن نتقاسمه، وأن نعرف بالضبط ما نشتري به.» قضت السنة الأولى مستيقظة مع ماجد. خففا الضوء، وانتظرا سقوط أوراق لم تجرؤ الآلة على إسقاطها. في الربيع المصنوع أخرجت شجرة صغيرة أول زهرتين. ثبتت سُلاف فرشاة التلقيح، وأرسلت إلى ابنتها تسجيلًا يؤجل فتحه إلى يوم الاستيقاظ. بعدها جاء فريق آخر. تركت له دفترًا بالاستجابات التي رأتها، ونامت، ثم استيقظت لموسم لاحق. لم تنجُ كل الأشجار، لكن الأكياس الورقية المليئة بالبذور زادت رفًا بعد رف. عند الوصول وقفت ابنتها أمام سريرها، تتلمس خصلة بيضاء قرب أذنها. سألت: «هل نمتِ قليلًا؟» قالت سُلاف: «أقل مما اتفقنا أول مرة.» «وماذا فعلتِ حين كنت وحدك؟» «لم أكن وحدي. سأعرفك إلى بعض من رافقني.» سارتا إلى حديقة السفينة. مدت الطفلة يدها إلى كيس صغير، فهزته، وسمعت خشخشة خفيفة. قالت: «أهذا صوت الصيف؟» وضعت سُلاف كفها تحت يدها. «صيف لم نزرعه بعد.»

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.