الصوت على الطين
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ٢٤ مشاهدة

«هذه لا تُباع. اختر غيرها.» أبعد الخزاف نجم الجرة الصغيرة عن يد المشتري. كانت أبسط ما في دكانه: طين فاتح، وعنق قصير، وخط أزرق مائل حول البطن. قال الرجل: «لم أطلبها لرخصها. أريد ما يشبه الجرة التي كنت أشرب منها في بيت أبي.» «عندي عشر تشبهها.» «أرني إياها.» لم يتحرك نجم. خارج الدكان المتخيل ارتفعت أصوات السوق، ودخلت رائحة بخور من المبخرة القريبة. كان السراج الصغير مضاءً رغم بقاء النهار؛ أحب نجم أن يفحص به الشقوق قبل أن يسلم الجرة. رفع واحدة أخرى، ونقرها بظفره. رن صوتها صافيًا. أخذ المشتري الجرة الأولى، بعد أن أشار نجم بأنه يسمح بفحصها فقط، ونقرها. خرج صوت قصير مبحوح. قال: «هذه لن تعيش طويلًا.» قال نجم: «أعرف. قلت له يوم صنعها إن جدارها أرق من اللازم، وإن عنقها مائل. ظل ينظر إليّ كأنني نسيت أن أنظر إلى الشيء الذي يحمله، ولم أرَ إلا ما ينقصه.» «إذن لماذا تبقيها بين السليم؟» مد الخزاف يده، واستردها برفق. «صنعها ابني. كنت أقول له إن عنقها لن يحمل الماء، وإن الخط ليس مستقيمًا. مات قبل أن أسمع منه جوابًا غير: دعنا نجرب.» وضعها على الطاولة. لم يكن قد ملأها منذ أخرجها من الفرن. بقيت ثلاث سنوات تتحرك بين الرفوف، كلما اقترب أحد منها قال إنها ليست للبيع، ثم أعادها بين ما يُباع. سأله الرجل: «إذن ضعها بعيدًا عن البيع. ما كنت لأمد يدي إليها لو عرفت. أنا أبحث عن جرة تذكرني ببيت أبي، ولا أريد أن آخذ منك ما لا تريد بيعه.» نظر نجم إلى الرفوف، ثم ضحك ضحكة انقطعت سريعًا. «أضعها هنا لأراها، وأغضب حين يراها غيري.» اختار للمشتري جرة سليمة قريبة من الشكل الذي وصفه. حين خرج، حمل جرة ابنه إلى السراج. قرب الضوء رأى شرخًا رفيعًا عند العنق؛ لم تكن صالحة للماء فعلًا، لكنه لم يحتج أن يعيد الحكم عليها مرة أخرى. جاء بصحن عريض، ووضعها فيه، ثم صب قليلًا من الماء. تسرب خيط صغير من أسفل العنق، وجرى نحو الصحن. جلس يراقبه. لم يكن ذلك نجاحًا متأخرًا للجرّة، ولا جوابًا من الغائب. كان فقط الشيء الذي لم يفعله مع ابنه حين قال: دعنا نجرب. في الصباح نقلها إلى نافذته، ووضع فيها عيدان نعناع يابس، من غير ماء. ترك مكانها بين الجرار فارغًا حتى جمع غبار الطاولة، ثم وضع فيه جرة صنعها ذلك الأسبوع.
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

يوم بلا منادٍ
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يغيب منادي سوق الأقمشة، فيجرّب بائع صامت طريقة للبيع لا تتسع لها حنجرته.

زوج لا يجتمع
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يطلب زبون من إسكافي نصف زوج من الأحذية، ثم يأتي صاحبه ليطلب النصف الذي لا يناسبه.

ليلة على حسابنا
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
ينطفئ مصباح المعبر للمرة الأولى، فيجد أهل السوق أن الرجل الذي اعتادوا ضوءه لم يعد يملك زيت الغد.