الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةأطفالحسن الخلقصداقةترحيباحترام الاختلاف

المقعد الذي تركته مريم لصديقة

ح
حمد خالد

١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٩ مشاهدة

المقعد الذي تركته مريم لصديقة

قصة خيالية هادفة للأطفال.

وضعت المعلمة حقيبة صغيرة على المقعد الفارغ، وقدمت للصف طالبة جديدة اسمها جود. رفعت جود يدها بالتحية ثم جلست، وبقيت تنظر إلى الكتب أمامها. أما مريم فقررت في اللحظة نفسها أن تجعل يومها الأول أجمل يوم في المدرسة.

ما إن بدأت الفسحة حتى وقفت عند مقعدها، وسألتها عن بيتها ومدرستها القديمة وعدد إخوتها ولونها المفضل. كانت الأسئلة تتسابق قبل أن تنهي جود إجابة واحدة. ابتسمت الطالبة الجديدة ابتسامة صغيرة، ثم قالت إنها تريد شرب الماء أولًا.

تبعتها مريم، تحمل في رأسها برنامجًا كاملًا: زيارة كل صديقة، وتجربة كل لعبة، والجلوس وسط المجموعة الكبيرة. لم تنتبه إلى أن جود أمسكت حزام حقيبتها بقوة، وأن صوتها صار أقل كلما زاد عدد من يحيط بها.

عند الساحة، طلبت جود الجلوس على طرف مقعد. سألتها مريم إن كانت غاضبة منها. هزت رأسها بالنفي، وقالت: «أنا فقط أحتاج أن أعرف المكان بهدوء». لم تعرف مريم كيف تساعد شخصًا لا يريد كل المساعدة التي جهزتها له.

اقتربت المعلمة، فسألتها مريم على انفراد عما يمكن فعله. قالت المعلمة إن الترحيب لا يعني أن نقرر يوم الآخرين عنهم. يمكن أن نعرض الصحبة، ونشرح ما يحتاجونه، ثم نترك لهم فرصة الاختيار دون إلحاح.

عادت مريم إلى المقعد، وتركت مسافة مريحة بينهما. قالت: «إذا أحببت، أجلس هنا. وإذا أردت الهدوء فلا بأس». نظرت جود إليها، ثم أشارت إلى المكان المجاور. جلستا قليلًا دون أسئلة كثيرة، تسمعان حركة الساحة من بعيد.

بعد دقائق، سألت جود عن المكتبة. شعرت مريم بالفرح، لكنها لم تنهض قبل أن تسأل إن كانت تريد الذهاب الآن. اتفقتا على أن تزوراها برفقة المعلمة في الوقت المخصص، ثم تحدثتا عن الكتب التي تحبانها دون أن تحتاج إحداهما إلى سرد حياتها كلها.

في العودة إلى الصف، أخطأت جود في اتجاه الممر. كادت مريم أن تنادي بصوت عالٍ لتضحك معها، لكنها تذكرت يوم ضاعت هي في المدرسة أول مرة. اقتربت منها وقالت بهدوء: «صفنا من هنا». لم تجعل الخطأ خبرًا يتناقله الجميع.

عند نشاط الرسم، عرضت مريم على جود ألوانها. رفضت أولًا لأنها تملك ألوانها الخاصة. لم تعتبر مريم الرفض إهانة. قالت إن العرض قائم إذا احتاجت لونًا، وعادت إلى ورقتها. وبعد قليل طلبت جود الأزرق، فناولتها إياه دون أن تقول: «ألم أخبرك؟».

في نهاية اليوم، أرادت إحدى الزميلات تصوير جود مع المجموعة وإرسال الصورة في محادثة. ذكّرت المعلمة الطالبات بقواعد المدرسة وموافقة الأسرة، وشرحت أن التعارف لا يجعل الصور مباحة للمشاركة دون إذن. وضعت مريم الهاتف بعيدًا، ولم تضغط على صديقتها كي تقبل.

عادت إلى البيت وأخبرت أمها أنها لم تنفذ البرنامج الذي رسمته للترحيب. سألتها الأم إن كانت جود قد وجدت ما تحتاجه. فكرت مريم، ثم قالت إنها عرفت المكتبة وطريق الصف، وجلست مع شخص دون أن تضطر إلى الكلام طوال الوقت.

قالت الأم: «هذا ترحيب جميل أيضًا. حسن الخلق يظهر في مراعاة الناس، لا في كثرة ما نفعله أمامهم».

في الصباح التالي، دخلت مريم الساحة فرأت جود تجلس عند المقعد نفسه. لم تركض إليها بعشرة أسئلة. رفعت يدها بالتحية، وسألت: «هل المكان بجانبك فارغ؟».

ابتسمت جود وقالت: «نعم، تركته لك». ثم أخرجت رسمة صغيرة لرف كتب، وسألت مريم إن كانت تريد أن تضيف إليه عناوين متخيلة. جلستا ترسمان، وفي وقت لاحق انضمت زميلة ثالثة بعد أن سألتهما.

لم تكن الصداقة قد اكتملت في يومين، ولم يكن الهدوء مشكلة تحتاج إصلاحًا. كان بينهما باب فُتح بلطف، ومقعد يتسع لمن تريد الجلوس، وحق لكل واحدة في أن تكون على طبيعتها.

للنقاش: كيف نرحب بزميل جديد دون إحراجه؟ وهل قبول الصداقة يعني الموافقة على كل سؤال أو صورة؟

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.