الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةواقعية ودراميةإتقانمهنالوفاءقصص اجتماعية

الخياط والثوب الذي احتاج يومًا آخر

ح
حمد خالد

١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٨ مشاهدة

الخياط والثوب الذي احتاج يومًا آخر

قصة خيالية اجتماعية؛ جميع الشخصيات والأحداث متخيلة.

كان دكان العم عبدالعزيز صغيرًا، لكن طاولته الواسعة تتسع لأقمشة كثيرة وحكايات أكثر. عمل معه المتدرب بدر بعد أن أنهى دراسته، وأحب اللحظة التي يخرج فيها الزبون راضيًا. كان يظن أن أسرع طريق إلى الرضا هو أن يقول نعم لكل طلب، ثم يبحث لاحقًا عن طريقة للوفاء.

دخل رجل يريد ثوبًا لمناسبة عائلية قريبة. نظر بدر إلى الموعد في الدفتر، فرأى فراغًا بين سطرين وظنه وقتًا متاحًا. وعد الرجل بالتسليم مساء الخميس. كان العم عبدالعزيز في الداخل يفحص قطعة قديمة، ولم يسمع الموعد إلا بعد خروج الزبون. سأله عن الخطوات التي احتسبها قبل الوعد.

أشار بدر إلى السطر الفارغ. فتح المعلم صفحة العمل، فظهر أن موعدًا آخر يحتاج إلى تعديل مقاس، وأن القماش الجديد ينبغي فحصه قبل القص. لم يكن الفراغ في الورق فراغًا في الأيدي. شعر بدر بحرارة في وجهه، وقال إنه يستطيع البقاء ساعات إضافية وإنه لا يريد أن يبدو غير قادر.

جلس العم قبالته وقال إن الاجتهاد له مكانه، لكن تعب العامل لا يصح أن يصبح خطة خفية كلما أخطأ في الحساب. عليهما معرفة ما يمكن إنجازه بجودة، وإبلاغ الرجل مبكرًا. لم يكن الخيار مريحًا، خصوصًا أن بدر كان قد ابتسم بثقة كبيرة وهو يكتب الموعد الأول.

اقترح بدر أن يؤخرا طلب زبون هادئ لن يعترض غالبًا. رفض العم الفكرة؛ فهدوء الإنسان لا يجعل وقته أقل قيمة. راجعا ترتيب الطلبات دون تغيير اتفاقات الآخرين، ثم قدرا أن الثوب يحتاج يومًا إضافيًا. جهز بدر خيارات واضحة ليعرضها، بدل عبارة مبهمة تطلب من الرجل الانتظار وحسب.

اتصل بالزبون من هاتف الدكان، وعرّف بنفسه. قال إن تقديره للموعد لم يكن دقيقًا، واعتذر عن ذلك دون إلقاء اللوم على زميل. شرح أن التسليم المتقن سيكون في اليوم التالي، وأن الرجل يستطيع اختيار الحل المتاح وفق اتفاق الدكان، بما فيه عدم المضي في الطلب قبل بدء القص إن لم يناسبه الوقت.

سكت الرجل لحظة، ثم قال إن المناسبة مساء السبت، وإنه اختار الخميس حتى يطمئن مبكرًا. كان يستطيع قبول الجمعة، لكنه طلب موعدًا محددًا لتجربة المقاس. سجل بدر الاتفاق الجديد وقرأه عليه. لم يعده بهدية كبيرة أو تخفيض لا يملك صلاحية تقريره، ولم يقل إن التأخير مجرد أمر لا يستحق القلق.

في اليوم التالي أشرف العم على الفحص والقياس، وعمل بدر ضمن مهمته وتحت توجيهه. وجد اختلافًا بسيطًا في رقم كتبه، فتوقف وسأل قبل أن ينتقل إلى الخطوة التالية. كان الاعتراف الثاني أسهل من الأول، لكنه ظل يحتاج إلى شجاعة. صحح المعلم الرقم وأراه طريقة مراجعة القياسات قبل اعتمادها.

جاء الرجل يوم الجمعة في الوقت المتفق عليه. جرب الثوب، وطلب تعديلًا يسيرًا كان له وقت محسوب. جلس ينتظر بينما قدم له بدر ماء، دون أن يطالبه بتقدير الجهد أو نسيان الخطأ. وحين تسلم ثوبه شكرهما على الوضوح، وقال إن معرفة الموعد الصحيح ساعدته على ترتيب بقية يومه.

بعد إغلاق الدكان رسم بدر جدولًا جديدًا يضم مراحل العمل والمراجعة ومساحة للتأخير المتوقع. عرضه على العم ليراجعه، ثم وضعا قاعدة بسيطة: لا يعتمد موعد جديد قبل الرجوع إلى الطاقة الفعلية للدكان. لم يكن الجدول ضمانًا بأن كل يوم سيخلو من المفاجآت، لكنه جعل الوعد أقرب إلى الواقع.

عاد بدر إلى البيت وفي ذهنه ابتسامة الزبون. فهم أن الرضا لا يولد دائمًا من إجابة سريعة، بل من احترام الوقت وقول الحقيقة حين تتغير الظروف. وفي صباح الأسبوع التالي، حين سأله زبون عن أقرب موعد، فتح الدفتر أولًا، وفكر، ثم أجاب بكلمة يستطيع أن يقف خلفها.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.