الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةالماضيرحمة

السلة التي تركت للبستان نصيبًا

ح
حمد خالد

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٢٦ مشاهدة

السلة التي تركت للبستان نصيبًا

حكاية أدبية خيالية في بستان قديم متخيل؛ ليست توثيقًا لواقعة تاريخية أو دليلًا للعناية بالحيوان والزراعة.

نظر عادل إلى السلة، فرأى أنها لم تمتلئ كما توقع. كان يساعد أباه عثمان في جمع ما حدداه من ثمار البستان، ضمن ما يعرفانه من عمله وترتيباته. في غصن قريب تحرك طائر صغير، فظن الشاب أن السبب في نقص السلة كلها هو ما تأخذه الطيور قبل وصوله.

قال إنه يريد إبعادها عن كل شجرة، وإن عليها أن تبحث عن مكان آخر. لم يحمل أداة ليؤذيها، لكن صوته واندفاعه جعلا أباه يوقفه. سأله عن مقدار ما عرف أنه ذهب إليها فعلًا، وعن الثمار التي جمعوها وما بقي لحاجات أخرى. لم يكن عادل قد راجع شيئًا؛ رأى طائرًا فجعله تفسيرًا لكل ما لم يعجبه.

جلسا في الظل، وراجع الأب ما اتفق عليه مع أهل البيت ومن يعملون معه. كانت بعض الثمار لم تبلغ ما يريدونه من حال للجمع، وبعضها مخصصًا لاختيار آخر، وبعضها يتعامل معه من يعرف عمله. لم يكن البستان سلة واحدة ناقصة كما رسمه عادل، بل أعمالًا متتابعة لا تظهر كلها لمن يقف عند غصن.

شرح عثمان أنه يختار بإرادته ترك قدر مناسب مما يملك لجهة خير يعرفها، وأن الرفق بالمخلوقات حول البستان حاضر في قراراته ضمن ما لا يضر بأمان المكان. لم يعط قاعدة زراعية عامة أو يطلب إهمال المحصول. أراد أن يفصل بين صيانة الحق وبين غضب يجعل كل كائن صغير خصمًا للإنسان.

سأل عادل إن كان يستطيع جمع ثمار من بستان الجار ليضعها في موضع تختاره الطيور. قال الأب إن نية الخير لا تمنحه ملك غيره، وإن أي مشاركة تحتاج إذن صاحبها وترتيبًا مناسبًا. لم يكن الدرس أن يجمع ما شاء من أي مكان، بل أن يتعلم كيف يتصرف فيما أذن له به دون تعد أو أذى.

في اليوم التالي رأى ولدًا صغيرًا من أهل البيت يريد الإمساك بطائر قرب الشجرة ليريه لأمه. ناداه عادل بهدوء، وأحضره إلى الكبار، ثم اقترح المشاهدة من مسافة دون مطاردة أو حبس. لم يحاول لمس طائر مجهول أو إعطاءه شيئًا من عنده. ترك التعامل مع ما يحتاج خبرة لمن يعرفه، واكتفى بملاحظة الحركة بين الأغصان.

كان في البستان عامل يرتب بعض الثمار وفق المهمة المسندة إليه. سأله عادل عما يستطيع مساعدته فيه، فوجد أعمالًا أنفع من مراقبة كل طائر. حمل سلة خفيفة مناسبة له، ووضعها في الموضع المطلوب، ثم راجع مع أبيه ما بقي لهما. صار الجهد متعلقًا بما يستطيع فعله، لا بما يخاف أن يفوته.

حين جاء وقت توزيع ما اختار الأب تقديمه، لم يطلب عادل من المستفيدين مدح البستان أو وصف كرم صاحبه. نسق الكبار الأمر بالطريقة المناسبة، وحُفظت كرامة الناس دون صور أو إعلان لتفاصيلهم. كان معروفًا اختاروه من ملكهم، لا وسيلة لطلب مكانة تجعل العطاء يعود إليهم أكبر مما خرج.

بعد أيام امتلأت سلة في موعد آخر، ففرح عادل دون أن يقول إن ذلك مكافأة مؤكدة على ما تركوه. لم يعرف سبب كل فرق بين يوم وآخر، ولم يحتج إلى اختراع علاقة ليقتنع بقيمة الرحمة. يستطيع الإنسان أن يفعل خيرًا لأنه خير، مع القيام بما يلزمه من عمل ومراجعة، دون ضمان ربح يقابله في اليوم التالي.

في المساء جلس مع أبيه قرب الجدار الطيني. رأى الطائر نفسه أو طائرًا يشبهه، ولم يجزم بأنه يعرفه. ضحك من دقة هذا السؤال الصغير؛ حتى هنا كان يمكنه إضافة يقين لا يملكه. بقي يراقب من بعيد، ويشعر أن البستان أوسع من عدد الثمار التي يحصيها في سلته.

حين عاد إلى البيت وضع السلة في مكانها وشكر من شاركوه العمل. لم يعد يرى الفراغ بين الثمار دليل خسارة ينبغي ملؤه بأي ثمن. صار يذكر حق المالك وحق العامل وكرامة من يصل إليه الخير، والمخلوق الصغير الذي لا يفهم حساباته. وكان نصيب البستان في قلبه قد اتسع، حين لم يعد كل ما فيه مطالبًا بأن ينتهي داخل السلة.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.