الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةخيال علميقصص عربيةدفعة استثنائية 19-10-2026الخيال العلمي

مهنة النسيان

ح
حمد خالد

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ٢٣ مشاهدة

مهنة النسيان

«احذفي هذا الطلب قبل أن تقرئيه.»

رفعت جنى عينيها عن الشريحة. كان صوتها هي، لكنه أخشن قليلًا، كأن صاحبته بكت طويلًا قبل التسجيل.

قال مساعدها الآلي: «التوقيع مطابق. تاريخ الإرسال غدًا. هل أنفذ؟»

«لا. اعرض الذاكرة المرتبطة.»

في عام ٢١١٦، صار الناس يتركون ذكرياتهم الثقيلة عند محلات صغيرة بجوار المغاسل والصيدليات. كانت جنى ترفض حذف الأشخاص كاملين؛ تنتزع لحظة واحدة، وتترك لصاحبها بقية الحكاية.

ظهرت على الشريحة طاولة، ويد رجل تضع أمامها كوبًا أزرق.

سمعت صوت أبيها: «أعرف أنك مشغولة. لا تصلحي الكوب، اجلسي فقط.»

قال المساعد: «هذا الرجل خارج المدينة منذ سبع سنوات، بحسب ذاكرتك.»

تحسست حافة المكتب. خلف كوب أقلامها خط أزرق صغير في الخشب.

«متى خرج؟»

«ليس لدي حدث سفر. لدي اعتقاد متكرر بأنه مسافر.»

«افتح سجل الحذف الخاص بي.»

تتابعت تواريخ أسبوعية، مئة وستة وثمانون طلبًا. كل واحد يحذف اللحظة نفسها: نهاية زيارة أبيها، حين يعود إلى دار الرعاية في المركبة التي تتولى رعايته.

سألت: «هل حذفت معرفتي بمكانه؟»

«في الطلب الثاني. أردت أن يظل غيابه سفرًا. لكنه يزورك كل أسبوع، وتستعيدين الحقيقة كل أسبوع.»

وضعت الشريحة على الطاولة، وأعادت التسجيل. في آخره، بعد صمت طويل، جاء صوتها:

«إن كنت ما زلت تقرئين، لا تحذفي شيئًا هذه المرة. أنا التي فتحت مرسل الأمس التجريبي. أعرف كيف سأحاول الهرب غدًا.»

رن جرس الباب. على العتبة وقف أبوها بملعقة ملفوفة في منديل.

قال: «هل نسيت أن آخذها، أم نسيت أنك أعطيتني إياها؟ صارت الأشياء تختلط عندي.»

مدت يدها نحو الملعقة، ثم عدلتها وأمسكت ذراعه.

«اليوم تختلط عندي أنا أيضًا. هل تشرب معي؟»

جلس قرب الطاولة. رأى الكوب الأزرق وقال: «هذا مشروخ. كنت أقول لأمك: لا ترميه؛ جنى صنعت أول شاي فيه.»

سألها المساعد عبر السماعة: «موعد الحذف المعتاد بعد أربع دقائق. هل أؤكده؟»

قالت لأبيها: «أحتاج منك خدمة صغيرة.»

«قولي.»

أعطته ورقة وقلمًا. «اكتب لي أين أجدك حين أشتاق إليك.»

كتب ببطء. ترك فراغًا بين اسم الشارع ورقم الغرفة، ثم اعتذر عن ارتعاش الحروف.

أغلقت جنى جهاز الحذف وثبتت الورقة فوقه.

قال أبوها: «هل هذه لافتة المحل الجديدة؟»

«تقريبًا. عنواني الجديد للرجوع.»

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.