الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةأطفالعدم الإسرافآداب الطعام

ميس والملعقة الأولى من الأرز

ح
حمد خالد

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٢٧ مشاهدة

ميس والملعقة الأولى من الأرز

قصة خيالية هادفة للأطفال.

حملت ميس طبقها وجلست في المكان الذي تحبه قرب أمها. كانت رائحة الأرز تملأ الغرفة، وقد عاد الجميع إلى البيت جائعين. رأت أخاها الأكبر يطلب مقدارًا من الطعام، فأرادت أن تثبت أنها لم تعد صغيرة. قالت لأمها إنها تريد طبقًا ممتلئًا، وإنها تستطيع إنهاءه وحدها.

سألتها الأم إن كانت متأكدة، واقترحت أن تبدأ بكمية أقل ثم تطلب المزيد عند الحاجة. أصرت ميس، فوضعت الأم لها مقدارًا مناسبًا يمكن مراجعته، لا كومة كبيرة لمجرد إرضاء التحدي. لكن الصغيرة نظرت إلى طبق أخيها، وظنت أن حجمه يقول شيئًا عن قوته أو مكانته على المائدة.

طلبت زيادة أخرى وهي لم تبدأ بعد. لم تضحك الأسرة منها، ولم يقل أحد إنها تستطيع أكل ما يأكله الكبار. سألتها الأم عما جعلها تطلب المزيد. قالت ميس إنها تريد أن تكون كبيرة. ابتسم أخوها، ثم قال إن كبره لا يقاس بطبقه، وإنه أحيانًا يطلب أقل عندما لا يكون جائعًا مثل اليوم.

بدأت ميس تأكل بهدوء، وأخذت لقيمات صغيرة مناسبة لها. بعد بعض الوقت شعرت أنها لا تحتاج إلى الزيادة التي أرادتها، لكنها خافت أن يظنوا أنها تراجعت. مدت يدها لتطلب، ثم توقفت. كان بوسعها أن تقول إنها اكتفت، بدل أن تجعل رغبتها في الظهور سببًا لوضع طعام لا تحتاجه أمامها.

أخبرت أمها بما تشعر. قالت الأم إن معرفة الحاجة أمر تتعلمه مع الوقت، وإن طلب مقدار أقل ليس عيبًا. لم تطلب منها أن تتجاوز شبعها، ولم تحول شكر النعمة إلى منافسة على إنهاء الأطباق. راجعت معها ما بقي، وتولت بنفسها ترتيب ما يصلح حفظه وفق سلامة الطعام في البيت.

لاحظت ميس أن أخاها أخذ زيادة بعد أن انتهى من المقدار الأول. هذه المرة لم تشعر أن عليها تقليده. كان جائعًا أكثر منها في ذلك الوقت، وكان من الطبيعي أن تختلف حاجتهما. فهمت أن المائدة ليست ميزانًا يقارن أفراد الأسرة، بل مكان يأكل فيه كل واحد بما يناسبه مع الاهتمام بالنعمة.

بعد الطعام طلبت المساعدة في الترتيب. أعطتها الأم مهمة حمل الملاعق الخفيفة إلى الموضع الآمن، وأبقت الأشياء الساخنة والقابلة للكسر للكبار. لم تجمع ميس طعامًا من أطباق الآخرين أو تقرر ما يصلح حفظه بنفسها. كانت تستطيع تقديم مساعدة حقيقية في حدود ما تعرفه وما يناسب سنها.

في المساء رسمت طبقًا صغيرًا إلى جوار طبق كبير، ثم وضعت بينهما علامة مساواة من عندها. سألتها أمها عن معناها، فقالت إن صاحبيهما قد يكونان شاكرين للنعمة إذا أخذا ما يحتاجان إليه. أعجبت الأم بفكرتها، وأضافت أن السؤال قبل تقديم الطعام يساعد أيضًا من يخدم المائدة على معرفة ما يريد الآخرون.

في اليوم التالي زارتهم خالتها، وسألت ميس عن مقدارها. أجابت بأنها ستبدأ بقليل، ثم تطلب المزيد إذا احتاجت. قالتها دون خجل، ولم تراقب طبق ابنة خالتها لتقلدها. وحين بقيت لها رغبة في الطعام بعد المقدار الأول، طلبت زيادة صغيرة مناسبة، فصار القرار أقرب إلى ما تشعر به فعلًا.

أرادت أن تشرح الدرس لابنة خالتها التي تركت بعض طعامها. كادت تنصحها أمام الجميع، ثم تذكرت أن ظروف الآخرين لا تظهر كلها في الطبق. سألت أمها بعيدًا، فتركت للكبار مساعدة الطفلة بالطريقة الملائمة. لم تجعل فكرة تعلمتها اليوم سببًا لمحاسبة كل من يجلس معها غدًا.

حين أعادت ميس طبقها، لم يكن أكبر طبق على المائدة ولا أصغرها. كان طبقها الذي اختارت مقداره بهدوء، واستمتعت بما فيه. شعرت أنها كبرت قليلًا، لكن السبب لم يكن عدد الملاعق. كان لأنها عرفت كيف تسأل، وكيف تتوقف عن المقارنة، وكيف تشكر النعمة باهتمام يناسب حاجتها.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.