الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةواقعية ودراميةتعاونتعلمإتقانتمكين

غرزة سمية التي اتسعت لغيرها

ح
حمد خالد

١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٤ مشاهدة

غرزة سمية التي اتسعت لغيرها

قصة اجتماعية خيالية عن تبادل المهارات وإتقان العمل؛ شخصياتها وأحداثها متخيلة.

سجلت سمية في ورشة خياطة قصيرة داخل مركز الحي بإدارة مشرفة مختصة. كانت تحب الأعمال اليدوية، وتريد صنع حقيبة قماشية تحملها إلى المكتبة. أحضرت قماشًا بلون هادئ، ورسمت في دفترها شكل الجيب. جلست قرب النافذة، وتمنت أن تنتهي أولًا، حتى تستطيع إتقان التفاصيل الصغيرة التي تميز عملها عن البقية.

بدأت المدربة بشرح الأدوات وقواعد استخدامها، ثم وزعت مراحل المشروع على اللقاءات. في الطاولة المجاورة جلست أمينة، تتعلم للمرة الأولى. أعادت سؤالًا عن اتجاه القطعتين، ثم سألت مرة أخرى عن العلامة التي رسمتها المدربة. شعرت سمية أن الوقت يتسرب، وأن الشرح الطويل يؤخر الجميع عن البدء.

حين سمحت المدربة بالعمل، انتهت سمية من تثبيت جزء بسيط، بينما بقيت أمينة تنظر إلى القطعتين. طلبت منها أن ترى موضع العلامة. كادت سمية تقول إن الأمر واضح، لكنها تذكرت يوم تعلمت هي الإمساك بالخيط، وكيف أن عبارة واضحة جدًا لم تجعلها تفهم. أزاحت دفترها قليلًا وأفسحت لجارتها مكانًا.

أرادت أن تنجز الخطوة بدلًا منها كي تعود إلى حقيبتها سريعًا. أمسكت القطعة، ثم توقفت عند سؤال أمينة: هل تريني كيف أفعلها بنفسي؟ أدركت أن المساعدة التي تترك المتعلمة في النقطة نفسها ليست ما طلبته. شرحت ببطء ما فهمته، وتركتها تجرب، ثم طلبتا من المدربة التأكد من صحة الاتجاه قبل المتابعة.

لم يكن الشرح مثاليًا من المرة الأولى. استخدمت سمية كلمات تعرفها أمينة على نحو مختلف، فضحكتا من الالتباس. استعانت بقصاصة كبيرة خالية من الأدوات الحادة لبيان موضع الطي، ثم عادت المدربة فبسّطت العبارة. تعلمت سمية أن معرفة المهارة تختلف عن القدرة على شرحها، وأن السؤال يكشف فجوة في الشرح أحيانًا.

في اللقاء التالي ظهرت مشكلة في حقيبة سمية نفسها. مال الجيب قليلًا، وكانت تريد تغطيته بزخرفة سريعة. سألت أمينة إن كان سيبقى مائلًا عندما تضع فيه كتابًا. جربت سمية نموذجًا آمنًا كما وجهتهما المدربة، فوجدت أن إصلاح الخطوة الآن أنسب من إخفائها. شكرت أمينة على ملاحظتها، رغم أنها بدأت الورشة بعدها بخبرة أقل.

تابعتا العمل دون استعجال. بقيت الأدوات تحت نظام الورشة وإشراف المدربة، ولم تتبادلا ما يحتاج توجيهًا قبل السؤال. كانت بعض المشاركات ينهين مراحل أسرع، لكن سمية لم تعد تقيس يومها بمن سبق. صار يهمها أن تفهم ما فعلته، وأن تستطيع تكراره في حدود ما تعلمته، وأن يكون المنتج مناسبًا للاستعمال المقصود.

عند نهاية المشروع اقترحت إحدى المشاركات عرض الحقائب في لقاء المركز. وافقت سمية على عرض حقيبتها مع اسمها، لكن أمينة فضلت الاحتفاظ بعملها في البيت. احترمن قرارها، ولم يصورنها أو ينشرن صورتها لإثبات نجاح الورشة. قالت المشرفة إن فرحة التعلم لا تحتاج أن تتحول كل مرة إلى مادة يشاهدها الآخرون.

أرادت سمية مشاركة ما تعلمته مع قريبتها البالغة. كتبت خطوات مختصرة، ثم عرضتها على المدربة لتصحح ما يحتاج مراجعة وتوضح ما يتطلب إشرافًا. ذكرت اسم الورشة والمدربة حين تحدثت عن مصدر تعلمها، ولم تنسب شرحهن كله إلى ابتكارها. أما طريقتها في ترتيب الألوان فبقيت إضافة صغيرة تحبها، لا ادعاء بأنها اخترعت الخياطة من جديد.

وصلت رسالة أمينة بعد أسبوع تقول إنها عرفت كيف تصلح غرزة في قطعة قديمة ضمن ما تدربت عليه. لم تطلب شيئًا آخر، لكنها أرادت شكر من صبرت معها. قرأت سمية الرسالة وهي تضع كتابها في الحقيبة، فوجدت أن الجيب المستقيم يذكرها بملاحظة أمينة بقدر ما يذكرها بجهدها الشخصي.

كانت حقيبتها جميلة كما أرادت، لكن أجمل ما خرج من الورشة لم يكن مما تستطيع تعليقه على كتفها. خرجت بمعرفة أن المهارة لا تصغر حين يشاركها الإنسان، وأن المتعلم الجديد قد يرى ما لا يراه صاحب الخبرة. وفي اللقاء المقبل اختارت مقعدًا يترك بجواره مساحة لمن تحتاج أن تسأل.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.