النافذة التي أعادت النجوم

قصة خيالية أصلية؛ جميع الشخصيات والأحداث متخيلة.
في أول ليلة حمل فيها ناصر منظاره إلى السطح، اكتشف أن أصعب ما في مراقبة السماء ليس بُعد النجوم، بل قرب نافذة جاره.
كانت النافذة مستطيلًا شديد البياض يطل على المكان الذي اختاره بعناية. كلما وضع عينه على العدسة، عاد الضوء فسرق انتباهه، وانكمش المشهد الذي تخيله طوال أسابيع. جرّب أن ينقل المنظار خلف خزان الماء، ثم قرب الجدار، ثم جلس على صندوق منخفض حتى آلمته ركبتاه. وفي النهاية، أعاد الغطاء إلى العدسة ونزل غاضبًا.
صباح الجمعة، كتب رسالة قصيرة على هاتفه: «يا عم صالح، ممكن تطفئ إضاءة السطح بعد العاشرة؟ الإزعاج مستمر». قرأها مرتين، وحذف كلمة «مستمر». لم يكن قد صعد إلى السطح إلا ليلة واحدة.
أرسل بدلًا منها تحية وسؤالًا عن الحال. جاءه الرد بعد دقائق: «حياك الله يا ولدي. إذا أنت فاضي مرّ عليّ بعد العصر، عندي شيء يمكن تعرف تصلحه».
دخل ناصر منزل جاره وفي ذهنه حديث جاهز عن الضوء. لكن العم صالح استقبله بصندوق خشبي صغير، وضعه على الطاولة كما يوضع شيء قابل للكسر. في داخله مذياع قديم، وعدسة مكبّرة، ودفتر ذو غلاف أزرق.
قال الرجل: «هذا دفتر أخوي. كنا نطلع البر صغارًا، وهو يرسم السماء ويسمّي لي النجوم. أنا أنسى الأسماء، وهو يعيدها بلا ملل».
قلّب ناصر الصفحات. كانت هناك خطوط متفاوتة، ونقاط تحيط بها دوائر، وتواريخ قديمة، وملاحظة جانبية: «صالح نام قبل أن يرى ما انتظره». ضحك العم صالح، ثم سكت قليلًا.
أشار إلى المصباح قرب النافذة وقال: «أجلس هنا أقرأ الدفتر. نظري ما عاد يساعدني، فركّب لي العامل أقوى لمبة عنده. من أسبوع وأنا أحس أن المكان صار كأنه محل مفتوح».
نظر ناصر إلى هاتفه، وتذكر الرسالة التي كاد يرسلها. قال أخيرًا: «أنا عندي منظار جديد. كنت أحاول أشوف السماء أمس، ويمكن نلقى للمصباح مكانًا أريح لك ولي».
لم يعترض العم صالح. نقل الاثنان الكرسي إلى زاوية داخلية، وجرّبا مصباح قراءة يوجّه الضوء نحو الدفتر. ثم صعد الرجل مع ناصر ليرى المنظار. أمسك الدرابزين بيد، والدفتر باليد الأخرى، وتوقف مرتين في الطريق ليستريح.
في تلك الليلة، لم يجد ناصر المنظر المبهر الذي وعدته به الصور على شاشة هاتفه. ظلت السماء فوق الحي أفتح مما توقع، ومرّت غيوم خفيفة. وحين طلب من جاره النظر، ابتعد الرجل عن العدسة سريعًا وقال: «ما شفت شيئًا».
شعر ناصر بالحرج. عدّل موضع المنظار وارتفاعه، ثم جرّبا من جديد. هذه المرة طال صمت العم صالح، قبل أن يهمس: «الآن شفت».
كان القمر، بتفاصيل سطحه وظلاله، يملأ مجال الرؤية. ظل الرجل ينظر ثم يرفع رأسه نحو السماء، كأنه يقارن بين وجه يعرفه وصورة اكتشفها لتوه. لم يسأله ناصر إن كان المنظر يستحق صعود الدرج؛ كان الجواب في ابتسامته.
قبل أن ينزلا، قال العم صالح: «بنت الجيران تحب الرسم. لو تشوف هذا يمكن ترسمه أحسن من صور جوالكم».
بعد أسبوع، وصل إلى السطح خمسة من أهل الحي، ومعهم بساط صغير ودفتر رسم وعلبة تمر. اتفقوا على إطفاء الأنوار غير اللازمة أثناء الجلسة، مع بقاء الممر والدرج مضاءين. لم يتحول الحي إلى مرصد، ولم تختفِ أضواء المدينة، لكن الجلسة صارت فرصة للقاء كان الجميع يؤجله.
رسمت الطفلة القمر أكبر من البيوت، وكتب أخوها تحت الرسم سؤالًا عن سبب تغير شكله. وعد ناصر أن يبحث معه عن الإجابة في مصدر تعليمي موثوق. أما العم صالح ففتح دفتر أخيه، وقرأ بصوت بطيء الملاحظة التي كانت تسخر من نومه المبكر. ضحك الجميع، وكان هو أعلى الضاحكين.
عندما غادر الزوار، بقي ناصر يطوي البساط. وجد عند المنظار ورقة تركها جاره: «الجمعة القادمة عندي شاي، وعندك السماء».
وقف أمام النافذة التي أقلقته في أول ليلة. كان خلفها ضوء هادئ يقع على دفتر مفتوح، وكرسي ينتظر صاحبه. أخرج هاتفه، وكتب للعم صالح: «اتفقنا. لكن هذه المرة لا تنام قبلنا».
ثم رفع رأسه. لم تكن النجوم أكثر عددًا مما كانت عليه، لكنه صار يعرف مع من يريد أن يراها.
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

الدراجة الزرقاء وموعد الخميس
١٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يحلم ياسر بالمشاركة في فعالية مدرسته، لكن دراجته المتضررة تضع ميكانيكي الحي أمام تحدٍ: كيف يساعده دون أن يساوم على سلامته؟

المقعد الخشبي
٣١ أكتوبر ٢٠٢٦
تكتشف نورة أن والدها لم يرفض الانتقال إلى بيتها؛ بل خاف أن يصبح ضيفًا في حياة لم يسأل أحدٌ عنها.

موعد بعد العصر
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يخبر أب أرمل ابنته بموعد زواجه، فتكتشف أنها كانت تتوقع منه انتظارًا لم تتفق عليه معه.