الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةواقعية ودراميةأمانةغموض عائليمكتباتخصوصية

الظرف الذي انتظر بين الصفحات

ح
حمد خالد

١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٦ مشاهدة

الظرف الذي انتظر بين الصفحات

قصة خيالية أصلية مناسبة للعائلة.

في صباح هادئ من أيام المكتبة، كان حازم يعيد الكتب إلى عربتها الصغيرة. يفتح كل واحد ليتأكد من سلامة الصفحات، ويمسح الغبار عن الغلاف، ثم يضعه تحت الرقم المناسب. لم يتوقع أن يحمل الكتاب البني شيئًا غير ورقة استعارة قديمة.

سقط منه ظرف مغلق بلا عنوان ظاهر. كان الورق سميكًا، وعلى طرفه أثر بقعة ماء جافة. حمله حازم نحو الضوء، ثم توقف. لو فتحه فقد يعرف صاحبه سريعًا، لكنه سيقرأ شيئًا لم يُكتب له.

وضع الظرف في كيس حفظ، وسجل اسم الكتاب ووقت العثور عليه، ثم أخبر أمين المكتبة. قال الرجل إن الأشياء المنسية تُعامل وفق إجراء واضح، وإن الفضول لا يمنحهما حق فتح رسالة خاصة. أشار إلى الدرج المخصص للمفقودات، وطلب منه مراجعة سجل الإعارة دون نشر بيانات أحد.

وجد حازم أن الكتاب مرّ بين أكثر من قارئ. لم يكن الظرف دليلًا على أن آخر مستعير هو صاحبه. اقترح الاتصال به وسؤاله عما إذا نسي شيئًا، دون وصف الظرف كله. وافق الأمين، وتولى التواصل عبر القناة المسجلة للمكتبة.

رد المستعير بأنه لم يضع أي رسالة، لكنه تذكر أن الكتاب كان على طاولة القراءة يوم أعاده. اتسعت الاحتمالات بدل أن تضيق. نظر حازم إلى رف القصص البوليسية، وكاد يضحك؛ في الروايات يجد المحقق علامة تقوده مباشرة، أما هنا فكان عليهم الاعتراف بأنهم لا يعرفون.

عند الظهر دخل رجل مسن يسأل عن كتاب بني. ظن حازم أن اللغز انتهى، لكنه تذكر الإجراء. سأله الأمين عن اسم الكتاب وما يبحث عنه. وصف الرجل غلافًا مختلفًا، وأراد استعارة نسخة لابنه. ساعداه في الوصول إليها، وبقي الظرف في مكانه.

أراد حازم أن ينشر صورته في حسابه الشخصي لعل أحدًا يتعرف إليه. رفض الأمين أن تتحول الرسالة إلى مادة عامة، واقترح إعلانًا محدودًا داخل المكتبة يقول إن شيئًا شخصيًا عُثر عليه في كتاب، مع طلب وصفه لاسترداده.

صمما الإعلان دون صورة، وتركاه عند مكتب الاستعارة. مر يومان. وفي كل مرة فتح حازم درج الأدوات، رأى كيس الحفظ وتذكر الظرف. لم يكن فيه صوت غامض ولا سر يطارد أحدًا؛ كان مجرد حق لشخص غائب ينتظر أن يعود.

في اليوم الثالث، دخلت امرأة مع ابنها الشاب. سألت إن عثروا على ظرف بلون كريمي، ووصفت البقعة الصغيرة والخط الموجود على الجهة الخلفية. تحققا من التفاصيل التي لم تظهر في الإعلان، ثم أعادا إليها الظرف دون أن يطلبا معرفة محتواه.

تنفست براحة، وقالت من تلقاء نفسها إنه يحتوي على رسالة كتبها زوجها لابنه يوم بدأ تعليمه الجامعي. وضعتها في الكتاب كي تحملها إليه بعد القراءة، ثم أعادت الكتاب ونسيت الرسالة. لم تكن الرسالة قديمة جدًا، لكنها كانت الوحيدة التي كتبها بخط يده لذلك اليوم.

قال الابن إن أباه يستطيع كتابة غيرها، فأجابته مبتسمة: «نعم، لكنه سألني كل مساء إن كنت قد أوصلت هذه». ضحكوا جميعًا، وانتهى الانتظار الطويل بحكاية عادية دافئة، لا بكنز أو اتهام أو مفاجأة مخيفة.

شكرت المرأة المكتبة، وسألت إن قرأ أحد الرسالة. قال الأمين: «وصلتك كما وجدناها». نظر حازم إلى الظرف المغلق، وشعر برضا لم تمنحه له كل التخمينات التي صنعها في رأسه. كان يستطيع أن يعرف أكثر، لكنه اختار أن يحفظ أكثر.

بعد رحيلهما، عاد إلى عربته. وجد في كتاب آخر تذكرة موقف قديمة، فوضعها وفق الإجراء نفسه دون أن يحولها إلى لغز. صار يعرف أن قيمة الأمانة لا تتوقف على أهمية الشيء في عينيه.

وفي آخر النهار، كتب ملاحظة لتدريب المساعد الجديد: «نسأل بالقدر اللازم، ولا ننشر ما لا يخصنا. قد يكون بين صفحتين شيء بسيط بالنسبة لنا، وكبير بالنسبة إلى صاحبه». ثم أغلق السجل، وأعاد الكتاب البني إلى مكانه، خفيفًا هذه المرة من الظرف ومن فضول لم يعد يحتاج إلى إشباعه.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.