الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةتراثقديمةأمانةحقوق الناسصدق المعاملة

ميزان التمر وكيس لم يكتمل

ح
حمد خالد

١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٥ مشاهدة

ميزان التمر وكيس لم يكتمل

حكاية خيالية في سوق من الماضي، لا توثّق واقعة أو شخصية تاريخية.

كان سوق القرية يزدحم قبل الظهر، وتعلو فيه أصوات الباعة دون أن تغطي رائحة التمر الطيب. وقف جابر إلى جانب خاله يتعلم ترتيب السلال ووزن الأكياس. لم يسمح له خاله باستعمال الميزان وحده قبل أن يفهمه، فظل يراقب ويكرر ما تعلمه تحت عينه.

في ذلك اليوم، طلب رجل كيسًا من نوع محدد، وكان يستعد للرحيل مع قافلة صغيرة. انشغل الخال بزبون آخر لحظة، فأراد جابر أن يثبت أنه قادر على المساعدة. جهز الكيس، ثم عرضه على خاله للمراجعة، لكن الزحام شتت انتباههما فمر الطلب أسرع مما ينبغي.

بعد انصراف الرجل، رأى جابر قطعة قماش مطوية تحت إحدى الكفتين. لم تكن جزءًا من الميزان، وقد وضعت هناك أثناء التنظيف. رفعها، وأعاد الفحص مع خاله، فتبيّن أن عليهما مراجعة الكيس الأخير، لأن وضع الميزان لم يكن صحيحًا عند وزنه.

قال جابر إن الزبون غادر، وإن الفرق قد يكون قليلًا. لم يكن يعرف مقداره بعد، لكنه أراد أن ينتهي قلقه بأسرع جواب. طلب خاله التوقف عن البيع مؤقتًا، والتحقق من الميزان والمبيعات التي يحتمل تأثرها، بدل أن يختارا رقمًا يريح ضميرهما دون معرفة.

راجعا ما أمكن من السجل، وعرفا أن المشكلة حدثت في الطلب الأخير. كان الرجل قد ذكر أنه سينتظر عند طرف السوق حتى تجتمع القافلة. جهز الخال ما يلزم للمراجعة، وخرج معه جابر، تاركًا الدكان في عهدة شريك يعرف المهمة.

عند طرف السوق، لم يجدا الرجل فورًا. رأيا أكياسًا متشابهة وأشخاصًا كثيرين، فلم يناديا باتهام أو يفتحا أمتعة الناس. سأل الخال عن صاحب الطلب بقدر ما يلزم، حتى أشار أحدهم إليه تحت ظل قريب.

شرح له الخال ما اكتشفاه، واعتذر عن تمرير الكيس دون تحقق كافٍ. استغرب الرجل؛ كان يستطيع أن يمضي دون أن يعرف. وافق على مراجعة الوزن بالطريقة المناسبة، وتبيّن النقص، فأكملاه دون أن يطلبا منه شراء شيء آخر أو التنازل عن حقه.

نظر جابر إلى الكيس المكتمل، وشعر أن المسافة من الدكان إلى الظل أطول من السوق كله. قال للرجل إنه استعجل، فأجابه: «تعلم كيف تراجع قبل التسليم، فهذا أيسر عليك وعلى من يشتري». لم يصفه بالغشاش، ولم يجعل صدقه اللاحق سببًا لتجاهل خطئه.

عادا إلى الدكان. ظن جابر أن خاله سيمنعه من التعلم نهائيًا، لكنه وضع الميزان بينهما، وطلب منه شرح ما كان ينبغي فعله خطوة خطوة. أدركا أن الزحام لا يعفي المسؤول عن المراجعة، وأن التلميذ يحتاج إشرافًا حاضرًا لا مجرد إذن عام.

رتبا موضع العمل، وأبعدا أدوات التنظيف عن الكفتين، ووضعا طريقة واضحة للفحص قبل بدء البيع. ثم اتفقا على أن يتولى كل واحد مهمة يعرفها، وأن يوقفا تسليم الطلب لحظة إذا احتاج إلى مراجعة، مهما بدا الزبون مستعجلًا.

قال جابر إنه كان يظن حسن المعاملة ابتسامة وكلمات لطيفة فقط. أجابه خاله أن الوجه الطيب جميل، لكنه لا يغني عن حق يصل كاملًا. يمكن أن يبتسم البائع ويخطئ، كما يمكنه أن يعتذر ويصلح، لكن الأفضل أن يبذل أسباب الإتقان من البداية.

في آخر النهار، مر الرجل مرة أخرى ليودع أهل السوق قبل الرحيل. لم يشتر كيسًا جديدًا، ولم يَعِد بأن يأتي بكل أصدقائه. اكتفى بالسلام. لم يحتج الخال إلى مكافأة تجارية كي يعرف أنه فعل الصواب.

وحين أغلقا الدكان، رفع جابر قطعة القماش وأعادها إلى مكانها الصحيح. كانت صغيرة وخفيفة، لكنها علّمته أن الأشياء التي لا ينتبه إليها قد تؤثر في حق إنسان. ومنذ ذلك اليوم، صار أول سؤال يسأله قبل مد الكيس: «هل تحققت؟»، لا «هل انتهينا بسرعة؟».

كان الميزان أداة من معدن وخشب، أما الاستقامة التي تعلمها فاحتاجت عينًا يقظة، واعترافًا، وخطوات تعيد الحق إلى صاحبه حتى إذا لم يطالب به.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.