الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةتراثقديمةأمانةتعلمحكايات الماضي

ناسخ القرية والصفحة الناقصة

ح
حمد خالد

١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٥ مشاهدة

ناسخ القرية والصفحة الناقصة

حكاية خيالية في أجواء الماضي؛ لا توثّق واقعة تاريخية ولا تنسب أحداثها إلى شخصيات حقيقية.

في آخر السوق، كان دكان الناسخ يفتح قبل اشتداد الحر. يدخل الضوء من نافذة ضيقة، فيقع على رفوف الكتب وأوعية الحبر. هناك جلس سالم، أول يوم له متعلمًا، وأمامه ورقة يظن أنها ستصبح أجمل ما رآه أهل القرية.

لم يعطه معلمه كتابًا لينسخه. رسم له مربعًا وخطين ونجمة هندسية، وقال: «ابدأ بهذه. نحتاج يدًا تتأنى، وعينًا تعود إلى الأصل».

أحب سالم الرسم، لكنه أراد كتابة صفحات كاملة باسمه. كان يراقب زبائن الدكان وهم يثنون على خط المعلم، ويتخيل يوم يرفع فيه أحدهم ورقته ويقول إنها لا تختلف عن عمل أستاذه.

بعد أسابيع من التدريب، جاء نجار يحمل دفتر قياسات قديمًا. طلب نسخة واضحة من رسم خزانة، لأن الورقة الأصلية بدأت تتآكل عند الطرف. اتفق مع المعلم على أن تُنسخ الأجزاء المقروءة، وأن يُشار إلى كل موضع غير واضح، حتى يراجعه بنفسه قبل العمل.

تولى سالم رسم الزخارف تحت إشراف معلمه. كان الشكل بسيطًا في البداية، ثم وصل إلى زاوية ينقصها جزء صغير. نظر إلى الزاوية المقابلة، وظن أن بإمكانه ملء الفراغ من عنده. ستكون الورقة أجمل، ولن يلاحظ أحد مكان التمزق.

رفع القلم، ثم تذكر عبارة المعلم: «العين تعود إلى الأصل». عاد فعلًا، لكنه لم يجد في الأصل ما يريد. بقي مكان الرقم فارغًا، وإلى جانبه أثر حبر لا يكفي لقراءته.

كان المعلم في الغرفة المجاورة، والنجار سيعود عند الظهر. أكمل سالم الرسم، ثم كتب رقمًا توقعه. نظر إلى الصفحة بإعجاب؛ لا بقع، ولا فراغات، والخطوط مستقيمة. وضعها على الطاولة، وقلب الورقة القديمة كي لا يرى نقصها.

عندما عاد المعلم، لم يبدأ بالثناء أو العتاب. وضع النسختين جنبًا إلى جنب، وطلب من سالم أن يقرأ الرقم في الأصل. تحركت شفتا الصبي، لكنه لم يستطع. قال أخيرًا: «أنا أكملته، حتى لا تبقى الصفحة ناقصة».

أجابه المعلم: «الصفحة لم تكتمل بذلك. صار فيها شيء لا نعرف صحته، ولم نخبر صاحبه».

احمر وجه سالم. اقترح أن يمحو الرقم سريعًا قبل وصول النجار، لكن أثره سيبقى مربكًا. قال المعلم إنهما يستطيعان إعداد ورقة جديدة، وإن عليهما أيضًا شرح ما حدث، بدل تسليم عمل يوحي بأن كل قياس نُقل من الأصل.

عادا إلى الطاولة. رسم سالم الخطوط مرة أخرى، وترك موضع الرقم خاليًا، مع علامة واضحة تدعو صاحبه للمراجعة. أما الجزء المفقود من الزخرفة، فنقله كما بقي في الورقة دون أن يدّعي معرفة ما زال غائبًا.

عند الظهر دخل النجار، ومد يده إلى النسخة. سبق سالم معلمه إلى الكلام، وشرح كيف تخيل الرقم ثم أعاد العمل. لم يسمع ضحكًا كما توقع. قال الرجل: «لو اعتمدت رقمًا غير صحيح، ربما قطعت الخشب على قياس خاطئ. كان يمكن أن تضيع مادتي وجهدي».

أخرج من جيبه ورقة أخرى صغيرة، فيها القياس الذي احتاجوه. كان قد دوّنه يومًا بعد مراجعة الخزانة في بيت صاحبها. قارن المعلم الأوراق، ثم أكمل سالم الرقم الصحيح أمام النجار. لم يكن مطابقًا لما خمنه.

بعد انصراف الرجل، جلس سالم ينظر إلى نسخته الأولى. كانت أجمل في عينه قبل ساعة، ثم صارت تبدو ثقيلة. سأل معلمه إن كان سيحتفظ بها ليتذكر خطأه. قال: «احتفظ بها لتتذكر ما تعلمته، لا لتخجل كلما رأيتها».

وفي آخر النهار، جاء طلب جديد: نسخ صفحة بها كلمة باهتة. فتح سالم ورقة نظيفة، وضبط قلمه، ثم سأل قبل أن يبدأ: «هذا الموضع غير واضح. هل نراجعه مع صاحب الورقة؟».

ابتسم المعلم. كانت يد الصبي لا تزال تحتاج تدريبًا، لكن عينه تعلمت شيئًا أهم من استقامة الخط: أن العمل المتقن يبيّن ما نعرفه، ولا يزيّن ما نجهله حتى يبدو حقيقة.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.