الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةتعاونحكايات الماضيالرحمةالرفق

فانوس القافلة وحق المستريح

ح
حمد خالد

١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٥ مشاهدة

فانوس القافلة وحق المستريح

حكاية أدبية خيالية في أجواء قديمة متخيلة؛ ليست توثيقًا لقافلة أو واقعة تاريخية.

حين أخذت الشمس تميل خلف الصخور، وصلت القافلة الصغيرة إلى موضع راحتها المعروف عند دليلها. أنزل الرجال أحمالهم، وأبعدوا مواضع الجلوس عن طريق الدواب. جلس سالم الشاب قرب عمه يراقب الفانوس الذي أعده مسؤول المخيم. كان يحب الرحلة، لكنه كان يحسب كل توقف خسارة من الوقت الذي يقربهم إلى السوق.

لاحظ أن المسافر الكبير أبا زيد يتأخر في ترتيب متاعه. تحرك الرجل ببطء، وجلس ليستريح قبل أن يكمل. قال سالم لعمه بصوت خفيض إنهم يستطيعون البدء بأعمال المساء دونه، وربما ترك بعض حاجاته ليلحق بهم حين ينتهي. ظن أنه يقترح حلًا عمليًا لا يحمل أي إساءة.

سأله عمه إن كان قد تحدث إلى الرجل أو عرف ما يحتاج إليه. لم يفعل سالم؛ فقد صنع تفسيرًا كاملًا من حركة بطيئة رآها من بعيد. اقترب برفقة عمه، وحيّا أبا زيد ثم سأله إن كان يريد مساعدة محددة. أشار الرجل إلى رباط حقيبته، وقال إن أصابعه تؤلمه من شدّه طوال الطريق.

لم يحاول سالم تشخيص الألم أو إعطاء علاج من عنده. أحضر الحقيبة إلى موضع مناسب، وساعده في فتح الرباط بإذنه. أما أمر تعب الرجل فتولاه رفاقه البالغون وفق ما يعرفونه من حاله. شكرهم أبو زيد، وطلب بعض الوقت للراحة قبل مشاركتهم الطعام. عاد سالم يحمل شعورًا مختلفًا عما جاء به.

أراد تعويض تسرعه، فأعلن أنه سيتولى جميع المهام الباقية. ابتسم عمه وسأله إن كان يعرفها كلها. لم يكن يعرف رعاية الدواب ولا التعامل مع نار الموقد، ولم يكن التعب غائبًا عن جسده أيضًا. وزع مسؤول القافلة الأعمال بحسب الخبرة والقدرة، وأعطاه مهمة ترتيب أوعية فارغة وحصر المتاع مع أحد الرجال.

عند الفانوس وجد سالم دفترًا صغيرًا يعد فيه عمه الحاجات. اقترح أن يسجلوا أسماء من أنجزوا أكثر، فيعرف الجميع صاحب الفضل. قال العم إن معرفة المسؤوليات مفيدة، أما تحويل كل مساء إلى مسابقة فقد يجعل الناس يختارون ما يراه الآخرون، ويتركون أعمالًا هادئة لا يصفق لها أحد.

حين اجتمعوا للطعام انتظر بعضهم أن يتحدث أبو زيد عن سبب بطئه. لكنه لم يرغب في شرح تفاصيله، ولم يلح عليه أحد. تركوا له موضعًا مريحًا، وسألوه عما يناسبه من مساعدة. فهم سالم أن الرفق لا يمنحه حق التفتيش في حياة الرجل، وأن المرء قد يحتاج خدمة دون أن يقدم قصة تبررها للمجلس.

بعد قليل عرض أبو زيد أن يراجع معهم قائمة الحزم. كان يعرف علامات المتاع من رحلة سابقة، فاكتشف أن كيسًا وضع قرب مجموعة أخرى. صححوا موضعه قبل أن ينسوه. لم يكن الرجل عاجزًا عن كل شيء؛ كان يحتاج وقتًا لبعض الأعمال، وقادرًا على إفادتهم في أعمال أخرى لم ينتبه إليها سالم.

في الليل اتفق الدليل والرفاق على موعد الرحيل المناسب، بعد النظر في حال المجموعة وظروف الطريق. لم يتدخل سالم في قرار لا يملكه، لكنه جهز ما أُسند إليه مبكرًا حتى لا يضيف تأخيرًا من جانبه. ثم جلس بجوار عمه، يراقب ضوء الفانوس يرسم دائرة صغيرة على الرمل.

قال إنه كان يظن أن القافلة تسير بسرعة أسرع أفرادها. أجابه عمه بأن الوصول ليس سباقًا بين الرفاق، وأن حسن التنظيم يحفظ القوة ويقلل المشقة. لم يعد سالم يرى انتظار الرجل وقتًا ضائعًا؛ فقد ملأه عمل واضح، وفهم جديد، وفرصة ليعامل غيره كما يحب أن يعامل إذا احتاج يومًا إلى الرفق.

وعندما استعدوا في الصباح، سأل أبا زيد عن الحقيبة قبل أن يمد يده إليها. أذن له الرجل بحملها إلى الموضع المتفق عليه، ثم سار سالم إلى مهمته الأخرى. كان الفانوس قد انطفأ مع الضوء، لكن الدرس الذي تعلمه عنده بقي مصباحًا هادئًا في قلبه طوال الطريق.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.