الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةحكايات الماضيعدل

موعد الماء عند ساقية القرية

ح
حمد خالد

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٢٦ مشاهدة

موعد الماء عند ساقية القرية

حكاية خيالية في قرية قديمة متخيلة؛ ليست توثيقًا لنظام ري تاريخي أو إرشادات زراعية.

وقف راكان قرب أبيه على الطريق الجاف بجوار الساقية، ينظر إلى الماء الذي يمر نحو أرض جارهم. كان أهل القرية المتخيلة قد اتفقوا على ترتيب يعرفونه، وتولى الكبار متابعة ما يدخل في مسؤوليتهم. رأى الشاب أوراقًا في حقل أبيه لا تبدو كما يتمنى، فشعر أن انتظار الموعد عبء لا يليق بمن يحتاج الماء الآن.

قال إنهم يستطيعون تقديم أرضهم قليلًا، وإن الجار لن يلاحظ فرقًا كبيرًا. لم يقترب الأب من شيء ليغيره، بل سأله كيف عرف أن الفرق صغير بالنسبة إلى من ينتظر. قال راكان إن الحقل الآخر يبدو أحسن حالًا من حقلهما. كانت هذه كل معرفته، لكنه بنى عليها حقًا أراد أخذه قبل السؤال.

أخبره الأب أن المظهر من موضع واحد لا يكشف كل حاجة، وأن الاتفاق لا يتغير لأن طرفًا يظن حاجته أهم. إذا وجد ظرف يستدعي مراجعة، فله طريق مع من يملكون القرار وبموافقة من تتعلق بهم الحقوق. لم يكن الكلام رفضًا للنظر في المشكلة، بل رفضًا لأن يبدأ حلها بإلغاء مكان شخص آخر في الترتيب.

مشى راكان مع أبيه إلى مجلس المراجعة الذي يجتمع فيه أصحاب الشأن في عالم الحكاية. لم يطلبا من الشاب فحص الساقية أو العبث بما لا يعرفه، ولم يتحول الأمر إلى منافسة على من يتحرك أسرع. عرض الأب ما لاحظه ضمن ما يعرفه، وترك ما يحتاج خبرة لأهله، دون مبالغة تزيد ثقل طلبه على بقية الناس.

حضر الجار عيسى، واستمع إلى الكلام. قال إن موعده مرتبط أيضًا بعمل رتبه مع آخرين، وإن تغييره لا يمسه وحده. فاجأ ذلك راكان؛ كان قد تخيل رجلًا واحدًا يستطيع الانتظار بلا أثر. رأى للمرة الأولى أن القرار الصغير في أرض قد يسحب وراءه وقتًا وجهدًا واتفاقات لا تظهر من طرف الطريق.

ناقش المسؤولون الخيارات التي تسمح بها ترتيباتهم، ولم يجدوا أن التقديم الذي اقترحه راكان مناسب في تلك الساعة. قبل الأب النتيجة، وطلب ما يمكن مراجعته بشأن أرضه من جهة مختصة. لم يحاول إحراج الجار أمام الناس بوصفه مانعًا للخير، ولم يعد الشاب بأن كل طلب صادق سينتهي حتمًا إلى ما يريد صاحبه.

شعر راكان بالضيق، لكنه رأى عيسى يأتي بعد المجلس ليسأل عما يستطيع تقديمه من مساعدة أخرى لا تمس الاتفاق. لم يكن رفض التغيير رفضًا للصداقة. عرض وقتًا مناسبًا لعمل يعرفه ويتفقان عليه، وترك لكل طرف حق القبول والاعتذار. صار التعاون أوسع من الخيار الوحيد الذي وضعه الشاب في رأسه.

راجع الأب حال الأرض مع من يعرفها، وتولى المختص ما يلزم ضمن دوره. بقي راكان مساعدًا في الأعمال التي يسمح له بها وتناسب خبرته، لا صاحب قرار في كل تفصيل. لم تقدم الحكاية حلًا تقنيًا سريعًا لكل قلق، لكنها أعطته عملًا واضحًا يفعله بدل الوقوف غاضبًا أمام حق الآخرين.

حين جاء موعد أرضهم، عرف أن شخصًا آخر قد يقف الآن في الموضع الذي وقف فيه، وينظر إلى مرور الماء نحو حقل أبيه. لم يعد انتظار الناس بعيدًا عن تفكيره. سأل عن نهاية الموعد كما سأل عن بدايته، وأراد أن يعرف متى يتوقف ما يخصهم كي لا يأخذوا من وقت من يأتي بعدهم.

في المساء جلس مع أبيه تحت شجرة البستان. اعترف بأنه كان يريد فعل شيء ينفع الأسرة، لكنه لم ينتبه إلى ما قد يثقله على غيرها. شكره الأب على قوله، وقال إن تعلم العدل لا يبدأ دائمًا برغبة سيئة؛ قد يبدأ برغبة طيبة تحتاج أن ترى ما وراء حدودها.

بقي صوت الساقية في أذنيه وهو يعود إلى البيت. لم يعد يسمع فيه ماء يذهب بعيدًا عنه، بل ترتيبًا يستطيع الناس أن يطمئنوا إليه إذا حفظ كل واحد موضع غيره. وعندما سأله جار صغير عن موعدهم، أجاب بدقة، ثم أشار إلى الموعد الذي يليهم. صار للحقل في ذهنه طريق يصل إلى حق الآخرين، لا سور ينتهي عند حاجته وحدها.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.