الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةأمانةقصص الماضيسوق الوراقينخط عربيتاريخ متخيل

خيط من سوق الورّاقين

ح
حمد خالد

٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ٢٧ مشاهدة

خيط من سوق الورّاقين

«أغلقوا أبواب السوق! الصفحة ليست ورقًا عاديًا.» صاح سالم، فالتفت إليه باعة الورّاقين.

كانت الصفحة الأخيرة من سجل صلح بين عائلتين، وينبغي أن تصل إلى القاضي قبل غروب الشمس. تركها سالم فوق منضدته لحظة، ثم عاد فلم يجد إلا خيطًا أزرق عالقًا بمسمار الصندوق.

قال مساعده بشير: «ربطنا السجل بخيط أحمر.»

«وهذا يعني أن الصفحة التصقت بشيء خرج من الدكان.»

في السوق ارتفعت أصوات الدلالين، واختلطت رائحة الحبر بدخان العود والتوابل. تتبعا الخيط الأزرق حتى دكان صانع الصناديق.

قال الصانع: «بعثت صندوقًا إلى بائع العطر. ربطه صبي بخيط كهذا.»

ركضا إلى بائع العطر. وجداه يلف قارورة في ورقة سميكة.

قال سالم: «من أين أخذت الورق؟»

أشار الرجل إلى سلة التغليف. كانت الصفحة بينها، لكن نصفها قد ابتل بزيت الورد، والحبر بدأ ينتشر.

شهق بشير. «ضاع النص.»

قال صبي صغير قرب الباب: «لم يضع كله.»

كان الصبي قد حمل الصندوق من دكان سالم. أخرج من جيبه قصاصة كتب عليها كلمات متفرقة.

سأله سالم: «ما هذه؟»

«رأيت الخط الجميل قبل أن نغلف القارورة. حاولت تقليده.»

قرأ سالم القصاصة. نسخ الصبي السطر الذي أفسده الزيت: «يسمع كل طرف قول صاحبه كاملًا قبل أن يحكم عليه.»

قال بشير: «لكن خط طفل لا يثبت نص السجل.»

أجاب سالم: «صحيح. لذلك لن نخفي ما حدث.»

حملوا الصفحة والقصاصة إلى القاضي. فحص القاضي موضع الحبر، وقارن الكلمات بنسخة أولى محفوظة عند كاتب آخر. تطابقت الجملة.

قال: «أنقذ الصبي المعنى، وأنقذ اعترافكم الثقة.»

انخفض رأس سالم. «وأنا تركت الصفحة بلا غلاف. الخطأ بدأ من دكاني.»

بعد الصلح عاد إلى السوق، فوجد الصبي ينتظره عند العتبة.

قال الصغير: «هل أغضبك أنني قلّدت خطك؟»

ناول سالم إليه قلمًا قصبيًا. «أغضبني أنك كتبت على قصاصة واحدة فقط. اجلس، وسأعطيك صفحة كاملة.»

أما الخيط الأزرق فعلّقه فوق الباب، لا لأنه جميل، بل لأنه عرف الطريق حين ضاع الورق.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.