ريح وادي القرى

«أمسك الصفحة!» صاح نبهان، فانطلق الراعي الصغير خلفها بين صخور الوادي.
قفزت الورقة فوق شجيرة طلح، ثم هبطت في مجرى الماء. غمس الفتى عصاه وانتشلها، لكن الحبر كان قد تحول إلى سحابة سوداء.
قال الشاعر: «ضاعت خاتمة القصيدة.»
ناول الفتى إليه الورقة المبللة. «إذا كنت كتبتها، فلا بد أنك تحفظها.»
جلس نبهان قرب الصخر. كانت أجراس القطيع ترن في الجهة الأخرى، ورائحة الحطب تصل من قافلة تستعد للمبيت.
قال: «حفظت أولها، أما البيت الأخير فكتبته عند الفجر. كنت أظنه أجمل ما قلت.»
سأل الراعي: «عن ماذا كان؟»
«عن المسافر الذي يعود إلى الوادي، فيجده كما تركه.»
ضحك الفتى. «الوادي لا يبقى كما تركناه. المطر نقل تلك الصخرة، والريح كسرت الغصن، وأنا صرت أطول من العام الماضي.»
توقف نبهان عن عصر الورقة. «وما الذي يبقى إذن؟»
أشار الراعي إلى القطيع. «الطريق الذي نعرفه، حتى لو تغيرت علاماته.»
أخرج الشاعر قلمه. كتب سطرًا، ثم شطبه.
قال الفتى: «لماذا تمحو؟»
«لأنني أحاول أن أكتب كلامك بصوتي.»
«اكتبه بصوت الوادي.»
أصغيا إلى الماء وهو يلتف حول الحجارة، وإلى الأجراس تبتعد ثم تعود. وضع نبهان إيقاع الصوتين في بيت جديد، لا يشبه البيت الضائع.
في سوق القرية قرأ القصيدة تحت السراج. وحين بلغ الخاتمة، أشار إلى الراعي الواقف عند آخر الحلقة.
قال أحد الرجال: «من أين جاءك هذا البيت؟»
أجاب نبهان: «من صفحة أخذتها الريح، ومن فتى لم يسمح لي أن أكذب على الوادي.»
بعد القراءة أعطى الراعي نصف أجره.
اعترض الفتى: «أنا لم أكتب.»
قال نبهان: «وأنا لم أرَ ما رأيت.»
احتفظ الراعي بقطعة واحدة واشترى بالباقي أوراقًا وقلمًا. وعند الفجر ترك لنبهان أول بيت كتبه: «لا يعود المسافر إلى المكان؛ يعود إلى ما علّمه المكان.»
قرأه الشاعر، ثم طوى الورقة بعناية. هذه المرة ربطها بخيط إلى غلاف الدفتر.
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

سراج النحاس
٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦
وجد هلال خاتمًا داخل سراج جاء للإصلاح، وكان عليه أن يعيده قبل أن يبيعه صاحبه مع بقية ميراث البيت.

خيط من سوق الورّاقين
٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦
قاد خيط أزرق الناسخ سالم بين دكاكين السوق، بعدما اختفت الصفحة التي يتوقف عليها صلح بين عائلتين.

آخر حجر
١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
عثر البنّاء على حجر زائد بعد إغلاق القوس، ثم سمع الماء ينقر خلف الجدار.