الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةتراثقديمةأمانةصدق البيعإتقان الصنعة

جرّة منصور التي لم تُبع

ح
حمد خالد

١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٤٠ مشاهدة

جرّة منصور التي لم تُبع

حكاية خيالية في أجواء سوق عربي قديم؛ ليست رواية لحادثة تاريخية موثقة.

صفّ منصور الجرار أمام دكانه، ومسح عن كل واحدة غبار الطريق. جاء يوم السوق، وكان يرجو أن يبيع ما يكفي لشراء طين جديد وإصلاح سقف الورشة قبل موسم المطر. وقف تلميذه عادل بجانبه، يحاول أن يجعل الصف مستقيمًا دون أن تصطدم الحواف.

كانت في آخر الصف جرّة تعجب كل من يراها. رقبتها متناسقة، وعلى جانبها خطوط بسيطة حفرها عادل بيده. لم يصنع مثلها من قبل، ولذلك وضعها حيث يصلها الضوء، وظل يلتفت إليها كلما مر زبون.

قبل بدء البيع، حمل منصور الجرّة للفحص. رأى قرب القاعدة أثر شق صغير لم يظهر من بعيد. سأل عادل إن كان قد اختبرها بعد خروجها من العمل الأخير. قال الصبي إنه اكتفى بمظهرها، فقد كانت الأجمل، وظن أن جمالها علامة كفايتها.

نقلاها إلى جانب مختلف، وراجعاها بعناية. لم تكن مناسبة للغرض الذي أُعدت له. قال منصور إنهما لن يبيعَاها على أنها جرّة سليمة لحفظ الماء. سقط وجه عادل؛ كان يتمنى أن يعرف السوق كله أنها من صنع يده.

دخل رجل يطلب جرّة متوسطة، وأشار فورًا إلى الجميلة المعزولة. قال إن شكلها يناسب مجلسه، وإنه سيدفع ثمنًا جيدًا. أسرع عادل ليحملها، ثم توقف عند نظرة معلمه. شرح منصور العيب بوضوح، دون أن يدفنه في كلمات طويلة.

قال الزبون إنه يحتاجها للماء فعلًا، واختار واحدة أخرى بعد الفحص. غادر وهو يشكرهما، لكن عادل لم يرَ إلا فرق الثمن. همس: «ربما كان يمكن أن تستخدم عنده مدة طويلة قبل أن يلاحظ».

وضع منصور الجرّة على الطاولة وقال: «أنت تتكلم عن وقت اكتشافه، لا عن حقه في أن يعرف قبل أن يشتري». لم يرفع صوته، ثم طلب من عادل أن يتخيل نفسه يحمل ماءً في وعاء ظنه سليمًا، ثم يضيع منه ما يحتاجه في الطريق.

جلس عادل قرب الباب يراقب السوق. لم يكن يريد الغش باسم واضح؛ كان يريد أن تمر جرّته الأولى دون أن يسأل أحد عن نقصها. وكلما فكر في الأمر، رأى أن إخفاء العيب لن يصير أمانة لأن القطعة جميلة أو لأن الورشة تحتاج المال.

عند الظهر، جاء صاحب دكان مجاور يقترح وضع زهور جافة في الجرّة للزينة. سأل منصور إن كان يمكن الاستفادة منها لهذا الغرض. راجعا سلامتها واستقرارها أولًا، واتفقا أن أي استخدام آخر يحتاج وصفًا صادقًا، وأنها لن تعرض مع أوعية الماء السليمة.

لم يتخذ منصور قرارًا سريعًا لمجرد أن الحل بدا مربحًا. أبقاها خارج البيع حتى يطمئن إلى أنها لا تؤذي مستخدمها، ثم استخدماها نموذجًا للتعلم داخل الورشة، في مكان آمن. رسم عادل موضع العيب في دفتره، وكتب ما يحتاج إلى مراجعته في المحاولة القادمة.

مرّ يوم السوق دون أن يحققا كل ما تمنياه، لكنهما باعا عددًا من الجرار السليمة. عدّ منصور المال، وقسّم مصاريفه على قدر ما يملك. لم يعد عادل يظن أن الصدق سيجلب دائمًا مبلغًا أكبر في اللحظة نفسها، بل فهم أنه واجب حتى حين يكلّف صاحبه شيئًا.

في اليوم التالي بدأ قطعة جديدة. كان حريصًا على الخطوط الخارجية، لكنه صار ينتبه أيضًا إلى ما لا يراه العابر من بعيد. يسأل معلمه عند كل مرحلة، ويقبل إعادة العمل حين يحتاج إلى ذلك بدل أن يسرع ليقول إنه انتهى.

بعد مدة، عاد الزبون الأول مع جاره. طلبا أوعية مناسبة لحاجتهما، وسألا عن العناية بها وحدود استعمالها. لم يقل الرجل إن منصور يملك أجمل فخار في كل البلاد. قال عبارة أبسط: «هنا يخبرونك بما تشتري».

سمع عادل العبارة، ونظر إلى جرّته القديمة على الرف الداخلي. لم تُبع، لكنها علمته كيف يبيع ما بعدها بصدق. وعندما مد يده إلى قطعة جديدة، فحص قاعدتها قبل أن يضعها في الضوء.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.