الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةتعاونحكايات الماضي

الرداء الذي جمعته ثلاث أياد

ح
حمد خالد

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٣ مشاهدة

الرداء الذي جمعته ثلاث أياد

حكاية خيالية في بيئة قديمة متخيلة؛ ليست توثيقًا لزي أو حرفة أو واقعة تاريخية.

اجتمعت خولة وأختها سلمى وجارتهما عائشة على عمل اختارت أم خولة أن يجهزنه لها في وقت متفق عليه. كان رداء بسيطًا من قطع قماش تملكها، تريد جمعها على نحو يناسب استعمالها داخل البيت. لم يكن عملًا للبيع أو مسابقة، لكن كل واحدة دخلت الغرفة وفي ذهنها شكل مختلف لما يجب أن تراه في النهاية.

أحبت خولة القطعة المزخرفة، وأرادت أن تكون في الموضع الأوضح. فضلت سلمى لونًا هادئًا تعرف أن أمها ترتاح إليه، أما عائشة فكانت تفكر في ترتيب الأجزاء بما يناسب ما تعلمته من خبرة. بدأ الحديث بسيطًا، ثم صار كل اقتراح دفاعًا عن صاحبته أكثر مما هو بحث عن حاجة الرداء.

قالت خولة إنها جمعت القماش وخصصت وقتًا أطول، ولهذا ينبغي أن يكون رأيها هو الأساس. سكتت سلمى، وشعرت عائشة أنها أصبحت ضيفة ثقيلة على عمل دُعيت إليه لتساعد. بقيت القطع فوق الطاولة، ولم يتقدم شيء رغم كثرة ما قيل. كانت الأيدي ثلاثًا، لكن كل واحدة تشد الفكرة نحوها.

دخلت الأم لتسأل عن الوقت المناسب للجلوس معهن، فرأت التردد. لم تحسم الخلاف باختيار ابنتها الكبيرة أو الضيفة، بل طلبت أن تسمع ما يفكرن فيه. وحين انتهين سألتها عائشة مباشرة عما تريد في الرداء. بدا السؤال بسيطًا إلى درجة جعلت الجميع ينتبهن إلى أنه لم يُطرح بوضوح منذ البداية.

قالت الأم إنها تريد قطعة مريحة في حدود ما يعرفن صنعه، وإن الزخرفة الكثيرة ليست هدفها. تحب اللون الهادئ، وتفضل الاحتفاظ ببعض القماش المزخرف لاستعمال آخر. لم تكن ترفض ذوق خولة، بل تصف ما يناسبها هي. سألتها خولة إن كانت متأكدة، ثم سمعت نفسها تكرر السؤال كأن الاختيار لا يقبل إلا إذا وافق توقعها.

اعتذرت عن الإلحاح، وأعادت القطعة المزخرفة إلى موضعها دون قصها أو استعمالها قبل الإذن. اتفقن مع صاحبة القماش على ما يمكن متابعته، وعلى ترك ما يحتجن فيه إلى مراجعة لمن تعرفه أكثر. لم تجرب إحداهن شيئًا يتجاوز خبرتها لتثبت أنها أقدر، ولم يجعل اختلاف المهارة الأقل خبرة بلا دور.

تولت عائشة الجزء الذي تتقنه، وساعدت سلمى في الترتيب، وراجعت خولة ما اتفقن عليه من مواد ومواعيد. لم يحتجن إلى أن تفعل كل واحدة كل شيء بالقدر نفسه كي يكون التعاون عادلًا. صار لكل مهمة اسم واضح، ولكل سؤال موضع، بدل أن تتزاحم الأيدي على الخطوة التي يراها الآخرون أكثر.

في أحد اللقاءات تأخرت عائشة لظرف أخبرتهن به مبكرًا. لم تنسب خولة إليها تعطيل العمل، ولم تسرع في الجزء الذي يحتاج حضورها كي تعاقب غيابها. راجعن الموعد مع الأم، وعدلن ما يستطيعن تعديله دون وعد يفوق الوقت المتاح. كان الرداء يحتاج صبرًا أقل مما كان يحتاجه الجدال الأول.

حين اكتمل، جربته صاحبته بالطريقة التي اختارتها، وطلبت تعديلًا بسيطًا راجعنه ضمن قدرتهن. لم تقل خولة إن عليه أن يعجبها بعد كل التعب، ولم تصف الملاحظة بقلة تقدير. عرفت أن الجهد لا يمنح صانعه حق إلغاء رأي من طلب الشيء، وأن السؤال الأخير جزء من الإتقان مثل السؤال الأول.

في مجلس الأسرة سألت قريبة عن صاحبة العمل. ذكرت خولة الأسماء الثلاثة وأدوارهن بقدر مناسب، ولم تختصره في قول صنعته لأمي. سعدت سلمى بأن جهدها الهادئ لم يختف، وشكرت عائشة صاحبة القماش على وضوح اختيارها. أما الأم فارتدت الرداء المريح، وبقيت الزخرفة المحفوظة لوقت آخر دون أن يخسر أحد مكانه.

بعد أيام نظرت خولة إلى الطاولة الخالية، وتذكرت كم احتاجت لتقبل لونًا لم يكن خيارها الأول. لم يعد الرداء شاهدًا على ذوقها وحده، بل على لحظة تعلمت فيها أن التعاون لا يجمع الأيدي قبل أن يجمع السؤال. كان أجمل ما فيه أنه وصل إلى صاحبته كما تحتاجه، لا كما أرادت كل واحدة أن يروي فضلها للآخرين.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.