غداء الجمعة الذي لم يحتج إلى هدية

قصة اجتماعية خيالية؛ الشخصيات والأحداث متخيلة.
أعاد ياسر ترتيب الموعد في هاتفه، ثم أغلقه دون أن يكتب عتابًا جديدًا. للمرة الثالثة يعتذر لؤي عن غداء الجمعة الذي اعتادا الاجتماع فيه مع أسرتيهما من حين إلى آخر. كان الرد لطيفًا، لكن تكراره جعل ياسر يفسره كأن الصداقة فقدت مكانها، وكأن البيت الذي يفتح بابه لم يعد مرغوبًا.
قال لزوجته إنه لن يدعو أحدًا يعتذر كل مرة. سألته إن كان يعرف السبب، فأجاب بأنه لا يحتاج إلى تصريح مباشر ليفهم. سمع في جوابه ثقة أكبر مما يملك. كان يعرف الاعتذارات، لكنه لا يعرف ما وراءها، وقد جمعها في قصة واحدة جعلته الطرف المرفوض دون أن يسمع صديقه.
في مساء هادئ اتصل بلؤي ضمن عادتهما، وسأل عن الوقت المناسب للحديث. لم يبدأ بعدّ الدعوات أو إثبات حقه في إجابة. قال إنه يشتاق إلى لقائه، وإن تكرار الغياب جعله حائرًا. صمت لؤي لحظة، ثم أجاب بأن المشكلة ليست في الزيارة نفسها، بل فيما يشعر أنه يجب أن يحمله معه إلى كل زيارة.
كان ياسر يستقبل الأطباق والهدايا بشكر كبير، ويمدح اختيار صديقه أمام الحاضرين. لم يقصد أن يجعلها شرطًا، لكن لؤي صار يرى الزيارة بلا شيء نقصًا لا يريد إظهاره. لم يشرح كل ظروفه، ولم يسأله ياسر عن تفاصيل لم يعرضها. اكتفى بما قيل، ورأى أن بابًا ظنه سهلًا صار في عين صاحبه ضيقًا.
قال إن الدعوة ليست طلبًا لهدية، ثم توقف قبل عبارة لا تعقد الأمور. كانت هذه الجملة ستجعل صديقه مخطئًا لأنه شعر بثقل لم يقصده المضيف. بدلًا منها اعتذر عن أي تكلف ساهم فيه، وسأله إن كان يفضل لقاء أبسط في موعد يناسبه، دون أن يطلب منه قرارًا فوريًا ليطمئن.
اتفقا لاحقًا على غداء صغير بالقدر المعتاد للأسرة، بعد تنسيق من يلزم حضوره. لم يعد ياسر قائمة كبيرة ليبرهن كرمه، ولم يكرر على صديقه أن يأتي بلا شيء أمام الآخرين. اختار أن يجعل الترتيب مريحًا في فعله، لا أن يحول غياب الهدية إلى موضوع يشرحونه كلما دخل ضيف.
جاء لؤي في الموعد، وتوقف عند الباب كأنه نسي غرضًا. لم تسأله الوجوه عما يحمل، ولم يبدُ على الطاولة موضع ينتظر طبقًا منه. استقبله ياسر كما كان يستقبله دائمًا، وسأله عن قصة قرأها واتفقا قديمًا أن يتحدثا عنها. كان السؤال المألوف أيسر من تطمين جديد يعيد فتح الحرج.
خلال الغداء سأل أحد الأقارب عن طبق اشتهر لؤي بإحضاره. أجاب ياسر بهدوء بأنهم اكتفوا بطعام البيت اليوم، ثم انتقل إلى حديث مناسب دون اختراع عذر باسم صديقه. لم يجعل لؤي يشرح لماذا لم يشتر أو يصنع شيئًا، ولم ينشر ما سمعه في المكالمة وكأنه خبر متاح للمجلس.
بعد الطعام أراد لؤي المساعدة في ما يناسبه من ترتيب، فشكره ياسر وقبلا مشاركة طبيعية كما يفعل الأصدقاء. لم يرفض كل يد تمتد خوفًا من أن يبدو مستفيدًا، ولم يعتبر المساعدة ثمن الزيارة. كانت العلاقة تحتاج إلى أن تستعيد سهولتها، لا إلى أن توضع في صندوق هش لا يجرؤ أحد على لمسه.
حين غادر الضيوف قال لؤي إنه استمتع بوقته أكثر مما توقع. أجابه ياسر بأنه استمتع أيضًا، دون أن يطلب وعدًا بالتزام كل جمعة من الآن فصاعدًا. اتفقا على التواصل وترتيب المواعيد كما تسمح حياتهما. لم تختف كل مشقة، لكنهما صارا قادرين على الحديث عنها بدل تحويلها إلى اعتذار يتراكم أو عتاب ينفجر.
في المساء نظر ياسر إلى الطاولة بعد ترتيبها. لم ينقصها طبق أتى من خارج البيت، ولم تكن أقل دفئًا لأن الزائر دخل خفيف اليدين. فهم أن المودة قد تحتاج أحيانًا إلى إزالة شيء مما نعده من آدابها، حتى يجد الصديق مكانًا يجلس فيه كما هو، لا كما يظن أن الدعوة تطالبه أن يبدو.
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

دعوة بيد مرتجفة
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
تريد امرأة أن تفرح لصديقتها الحامل، لكنها تخشى أن يسمع الناس في صمتها شعورًا لم تقله.

رسالة لم تُحذف
٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦
تطلب صديقة إزالة تسجيل قديم من فيلم تخرّج، فيجد صاحبه أن أفضل مشهد فيه يجرح الشخص الذي يحبه.

نسخة باسمها
٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦
يجد شاب اسمه على جائزة لم يكن صاحب فكرتها، وعليه أن يقرر ماذا يقول أمام الجمهور.