الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةقافلةماض متخيلرحلةثقة

طريق على راحة اليد

ر
رغد المحمدي

٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ١٩ مشاهدة

طريق على راحة اليد

«لا تقل إنك ترى البئر حتى ترى حجارتها.» خفض صابر يده. البقعة التي أشار إليها كانت ظل صخرة، لا ماء. خلفه جلس الدليل مهران وعيناه ملفوفتان بقطعة قماش رطبة؛ دخل الغبار فيهما حين انقلب غطاء حمولة، فلم يعد يقدر على فتحهما أمام الضوء. قال الصبي: «أستطيع أن أعود في أثر أقدامنا.» أجابه مهران: «الريح محت أكثره. قل لي ماذا أمامك، ولا تعطه اسمًا قبل أن تفحصه.» كانت قافلتهما الصغيرة، في هذه الحكاية من ماضٍ متخيل، تعبر أرضًا يعرفها مهران منذ شبابه. خلفها حبال تصر، وأجراس تتباعد، ورائحة هيل من كيس انشق صباحًا. أما صابر فكان يحفظ الطريق كما يحفظ أغنية، من غير أن يسأل لماذا ينعطف. قال: «جبلان. بينهما فتحة واسعة.» «وعند سفح الأيسر؟» «خط أبيض.» «اقترب بما يكفي لترى، وخذ معك ناقة واحدة. نحن ننتظر هنا.» مشى صابر حتى تبين أن الخط بقايا ملح على أرض منخفضة. عاد يقول: «ليست حجارة البئر. ولو سلكنا الفتحة، لهبطنا إلى السبخة.» سأل مهران: «أين الظل الآن؟» «عن يمين الناقة، قصير.» فتح الدليل كفه، وطلب من الصبي أن يرسم عليها موضع الجبلين بطرف إصبعه. لم يخبره باتجاه جاهز. سأله عن ميل الأرض، وعن شجيرة ملتوية رآها أول الطريق. قال صابر: «الشجيرة خلفنا إلى اليسار. عندها انحرفنا مع الحمولة الساقطة. حسبت أننا رجعنا إلى الطريق، لكننا واصلنا أبعد منه.» خط بإصبعه مسارًا جديدًا على كف الرجل. «إذا رجعنا إلى مرتفع الحصى، سنرى الجدار القصير الذي وصفتَه أمس.» «كم ماءً يكفي للعودة والتجربة؟» هز صابر القربة، وحسب ما بقي لكل واحد. «يكفي، إذا توقفنا في الظل قبل الحركة. لن أقودهم على ظني مرة أخرى.» انتظروا حتى خف الحر. تقدم صابر بخطوات أقصر، وكلما اختلف ما رآه عما يتذكر، عاد يسأل. عند المرتفع ظهرت ثلاث حجارات قائمة، ثم الجدار القصير خلفها. لم يصح: البئر. ربط الناقة، واقترب حتى رأى فوهتها وحبل الدلو الرطب. عند الماء نزع مهران القماش لحظة، ثم أعاده. قال: «أين وصلنا؟» أمسك صابر يده، ووضع في راحته قطرة باردة. «إلى هنا.»

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.