الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةرعب وإثارةغموضتشويق عائلي

النداء من غرفة الإذاعة الخالية

ح
حمد خالد

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٣ دقائق قراءة · ٣٠ مشاهدة

النداء من غرفة الإذاعة الخالية

قصة غموض خيالية بلا أحداث خارقة؛ لا تصف نظامًا تقنيًا حقيقيًا بعينه.

كان آخر صوت يتوقعه طارق بعد إغلاق مركز الحي هو صوت أبي سالم يدعو الحاضرين إلى قاعة النشاط القديمة. عرف النبرة فورًا؛ فقد عمل الرجل في المركز زمنًا طويلًا قبل أن ينتقل إلى مدينة أخرى. وقف طارق في الممر، وأصغى حتى انتهت الجملة، ثم نظر إلى زميله فارس الذي سمعها أيضًا.

كانت غرفة الإذاعة مغلقة وفق ترتيب المناوبة، ولا يوجد نشاط معلن في ذلك الوقت. قال فارس إن أبا سالم ربما جاء زائرًا، لكنهما لم يرياه في المبنى. لم يجعلا غياب المعرفة دليلًا على وجود أمر خارق. بقيا قرب مكتب الاستقبال، وراجعا مع المشرف ما يستطيعان التحقق منه دون فتح غرف خارج صلاحياتهما.

أكد المشرف أن لا زيارة مرتبة للرجل، وطلب متابعة الملاحظة وفق نظام المكان. بعد دقائق عاد النداء نفسه، بالوقفات نفسها تقريبًا. شعر طارق أن صدى الممر يزيد الصوت قربًا، كأنه موجه إليه وحده. لكنه تذكر أن معرفته بالنبرة لا تعني أن صاحبها يقف الآن أمام جهاز البث.

قال لفارس إن الجملة تتعلق بقاعة تغير اسمها منذ مدة. كانت هذه أول قرينة لا تعتمد على الإحساس. إذا كان الكلام مباشرًا، فلماذا يستخدم الاسم القديم؟ لم يحسم ذلك الأمر، لكنه جعلهما يفكران في تسجيل محفوظ بدل زيارة خفية. دوّنا العبارة كما سمعاها وأبلغا المشرف دون تسجيل أصوات الناس أو نشرها خارج الحاجة.

دخل الموظف المخول غرفة الإذاعة بعد التحقق من حالها، وبقي الاثنان معه في النطاق المسموح. لم يجدوا شخصًا، لكن مؤشرًا صغيرًا كان مضاء على جهاز تشغيل قديم متصل بالتجهيزات. لم يمد طارق يده إلى أزرار لا يعرف أثرها، وترك للمختص فحص ما يلزم وفق إجراءات المركز.

تبين أن الفريق جرب نهارًا بعض المواد الصوتية المصرح بها لإعداد عرض عن أنشطة سابقة. اختير مقطع قديم بصوت أبي سالم ضمن الأذونات التي يعرفها المسؤولون، ثم بقي إعداد للتشغيل الدوري في نظام الاختبار المتخيل. لم يظهر ذلك في الجدول الذي راجعه طارق أولًا، لأن ملاحظة التجربة لم تصل إلى سجل المناوبة كما ينبغي.

أوقف المختص التشغيل بالطريقة المعتمدة، فاختفى النداء. راجعوا مع المسؤول عن العرض المقطع، فوجدوا الجملة القديمة نفسها. لم يكن في الصوت من يخاطب موظفي الليل أو يعرف مكانهما. كان تسجيلًا واضح المصدر، واتصالًا ناقصًا بين من اختبر المادة ومن تولى المبنى بعده.

شعر فارس بالارتياح، وأراد الاتصال بأبي سالم ليمازحه بأنه أخافهم من بعيد. اقترح طارق الانتظار إلى وقت مناسب، وألا يحملاه مسؤولية خطأ لم يرتكبه. استطاعا إرسال تحية ودية لاحقًا عبر الصلة المعتادة، لكن حل المشكلة لا يحتاج إلى إيقاظ الرجل أو مطالبة شخص غائب بشرح ما فعلته الأجهزة بعد انتقاله.

كتب المشرف ملاحظة عن ضرورة تسليم حالة الاختبار للمناوبة التالية، وترك تفاصيل الإجراء لمن يتولى اعتمادها. لم يسجلوا أن المبنى شهد ظاهرة غريبة ثم اختفت؛ سجلوا ما تحقق من تشغيل مقطع قديم وبقاء إعداد لم يوثق في الموضع المناسب. كانت الكلمات الدقيقة جزءًا من منع الخوف من العودة في الليلة التالية.

جلس طارق في مكتب الاستقبال يستعيد أول لحظة. وجد أنه سمع الصوت كأنه يخصه لأنه حمل ذاكرة صاحبه، لا لأن التسجيل عرفه. تحدث مع فارس عن الفرق بين قوة الشعور وصحة التفسير. لم يقل إن الإنسان يجب ألا يخاف، بل إن الخوف يستطيع أن يبقى شعورًا حتى يجد السؤال طريقه إلى جواب.

حين خرجا من المركز ساد الممر صمته المعتاد. لم يعد طارق ينتظر نداءً من الغرفة الخالية، لكنه احتفظ بالمودة التي حملتها النبرة القديمة. في صباح اليوم التالي وصلت تحية من أبي سالم يسأل فيها عن الزملاء. ابتسم طارق، وقرأها بهدوء؛ هذه المرة عرف مصدر الكلام ووقته، ولم يحتج إلى ملء المسافة بينهما بحكاية أخرى.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.