الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةأدبواقعية ودراميةقصص إنسانيةتعاوندراجات

الدراجة الزرقاء وموعد الخميس

ح
حمد خالد

١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٤ دقائق قراءة · ٣٩ مشاهدة

الدراجة الزرقاء وموعد الخميس

قصة خيالية أصلية؛ الشخصيات والأحداث متخيلة.

قبل إغلاق الورشة بعشر دقائق، وضع طفل دراجة زرقاء أمام سامر، ثم أفرغ على الطاولة كيسًا صغيرًا من العملات. تدحرجت قطعة تحت صندوق المفكات، فانحنى ليلتقطها كأن مصير الدراجة كله معلّق بها.

قال الطفل: «أريدها جاهزة قبل الخميس».

لم يسأل سامر عن السبب فورًا. أدار العجلة الأمامية، وفحص المكابح، ثم رأى شقًا قرب إحدى وصلات الهيكل. مرّر إصبعه حوله، وأعاد الدراجة إلى الأرض. كانت هناك إصلاحات بسيطة يستطيع إنجازها، لكن هذا الشق جعل الحديث مختلفًا.

قال بهدوء: «المشكلة ليست في السلسلة وحدها. لا أستطيع أن أسلّمك دراجة وأقول إنها آمنة بهذا الشكل».

ضم الطفل كيسه وسأل: «حتى لو دفعت الباقي الأسبوع القادم؟»

«حتى لو دفعت اليوم كله».

خرج الطفل من الورشة يدفع الدراجة، وبقيت على الطاولة قطعة نقدية نسيها. حملها سامر ولحق به عند الرصيف. كان الصغير يحاول منع المقود من الميل، وقد علّق على السلة ورقة مطوية بعناية.

سأله سامر عن الخميس. فتح الطفل الورقة، فإذا بها إعلان لفعالية دراجات تنظمها المدرسة في ساحة مغلقة. كان اسمه ياسر، وقد وعد أخاه الأصغر أن يراه يشارك هذه المرة. في العام الماضي اكتفى بالوقوف خلف السياج، لأن دراجته كانت تنتظر إصلاحًا ظل يتأجل.

عاد سامر إلى الورشة مثقلًا بوعد لم يقطعه. في الركن دراجة قديمة تركها مالكها منذ شهور بعد أن اشترى أخرى، لكنه لم يمنح سامر حق بيعها أو إعارتها. أخرج رقم الرجل من سجل الأعمال واتصل به. شرح له الأمر وسأله إن كان يقبل تأجير الدراجة أيامًا قليلة.

قال الرجل: «أصلحها، وأعطها للولد إذا ناسبته. اعتبرها هدية مني، لكن تأكد أنها صالحة قبل كل شيء».

نظر سامر إلى الدراجة، ثم إلى الساعة. احتاجت إطارات جديدة ومقعدًا مناسبًا، وكانت أكبر من ياسر. لم يكن حسن القصد كافيًا ليجعلها مناسبة. وضعها جانبًا، وكتب في دفتره: «نحتاج دراجة أصغر».

في اليوم التالي جاء ياسر مع والده. تحدث الأب عن سقف المبلغ الذي يستطيع دفعه، دون اعتذار طويل أو وعود محرجة. عرض سامر عليهما فكرة مختلفة: تُباع الدراجة الكبيرة بعد إصلاحها وبموافقة صاحبها، ويُستخدم ثمنها في شراء دراجة مستعملة تناسب الطفل، إذا وجدا واحدة بحالة جيدة.

وافقا، لكن الخميس كان قريبًا. التقط سامر صورًا للدراجة بعد إصلاحها، ووضع إعلانًا في واجهة الورشة. مرّ النهار بطيئًا. سأل زبون عن تخفيض كبير، ووعد آخر بالعودة ولم يعد. كلما رن جرس الباب، رفع ياسر رأسه من الكرسي الصغير الذي جلس عليه بعد انتهاء دروسه.

قبل المغرب دخل عامل توصيل يبحث عن دراجة لابنه. جرّب الكبيرة وقاس ارتفاعها، ثم قال إنها تناسبه. تم البيع بالسعر المتفق عليه، واتصل سامر بصاحبها ليؤكد موافقته على استخدام المبلغ كما اتفقا. لم يبق إلا العثور على البديل.

أخرج والد ياسر هاتفه، وبدأ الثلاثة يقارنون الإعلانات. رفض سامر واحدة بدت جميلة في الصور بعد أن كشف الفحص خللًا في مكابحها. شعر ياسر بأن الفرصة تضيع، فقال: «سأمشي ببطء».

أجابه والده: «نريدك أن تشارك وتعود سالمًا، لا أن نكسب يومًا ونخاف بقية الأيام».

وجدوا الدراجة المناسبة مساء الأربعاء. زرقاء أيضًا، لكن سلتها أصغر، وعلى هيكلها خدش طويل. لم يحاول سامر إخفاءه بالطلاء؛ نظفها وفحصها وضبط ارتفاع المقعد، ثم شاهد ياسر يجربها في مكان آمن بحضور والده، مرتديًا خوذته.

يوم الخميس لم يصل ياسر أولًا. توقّف في منتصف الجولة حين سقطت زجاجة ماء من سلة طفل أمامه، وانتظر المشرف حتى أبعدها عن المسار. أنهى الجولة متأخرًا، يبحث بعينيه عن أخيه الذي كان يصفق كأن الفائز الوحيد في الساحة هو صاحب الدراجة المخدوشة.

بعد العصر عاد إلى الورشة، ووضع على الطاولة شريط المشاركة. قال لسامر: «هذا لك».

علّقه سامر قرب دفتر الأعمال، ثم أعاد إلى ياسر القطعة النقدية التي حملها منذ أول مساء. ضحك الطفل: «أعدتها لي من قبل!».

فتح سامر كفه الأخرى. كانت فيها قطعة مشابهة وجدها تحت الصندوق بعد رحيله. عدّ ياسر ماله، ثم ابتسم؛ كان الحساب صحيحًا أخيرًا.

وقبل أن يخرج، سأل إن كان يستطيع تعلّم إصلاح الثقوب في الإطار. أشار سامر إلى الكرسي الصغير وقال: «السبت، مع والدك. وسنبدأ بتعلّم متى نصلح الشيء، ومتى يجب أن نستبدله».

هذه المرة، غادر ياسر راكبًا دراجته برفقة أبيه. وبقيت في الورشة دراجته القديمة، وقد اتفقوا أن تُفكك للاستفادة من قطعها السليمة. لم تعد تصلح للطريق، لكنها لم تكن بلا فائدة.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.