الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةقصص عربيةدفعة استثنائية 19-10-2026قصص الماضي

نصف نداء

ح
حمد خالد

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ٢٩ مشاهدة

نصف نداء

«مَن يشتري…» ثم خرج من حلق الأب صفير يشبه بابًا يصدأ.

وضع ابنه راشد كفه أمام فمه: «لا تكمل. حتى العصافير التفتت إليك.»

لوّح الأب بعصاه، ثم جلس قرب أكياس الهيل. كانت الشمس لم ترتفع فوق سقف السوق، والخباز يدفع أول أرغفته إلى النار. مرّ صاحب الأقمشة مستعجلًا.

«يا أبا راشد، عندي ثوبان يجب أن تبيعهما اليوم.»

همس الأب: «صوتي ذهب.»

قال راشد: «صوتي موجود.»

قاسه الرجل بعينيه. «لكن الناس يعرفون نداء أبيك.»

رفع الصبي ذقنه: «سأقول النداء نفسه، وأطيل آخر كلمة مثله.»

ارتدى عباءة أبيه. سحب طرفها كي لا يدوسه، وحمل الثوب الأول بين ذراعيه.

«مَن يشتري هذا الحرير الرفيـ…»

تعثر بطرف العباءة وانقطع النداء. رفع حانوتي رأسه وقال: «الرفيق؟ عنده ثوب رفيق؟»

ضحك الصبية خلف السلال. احمرت أذنا راشد. شد العباءة فوق حزامه، وعاد إلى منتصف الطريق.

قال أبوه من مقعده، بالكاد: «ارفع الثوب، لا صوتك.»

نشر راشد القماش أمام الضوء. لمع فيه خيط أصفر، ثم ظهر ثقب صغير قرب الحافة. خفضه بسرعة.

سأل صاحب الأقمشة: «لماذا توقفت؟»

«هنا ثقب.»

«الحاشية تخفيه. قل حرير رفيع وأكمل.»

من خلفهما سعل الأب، فلم يعرف راشد إن كان يريد الكلام أو الماء.

رفع الثوب ثانية ونادى: «حرير رفيع، فيه ثقب صغير! يصلح ثوبًا لطفلة، أو وسادة لا تشتكي من الثقوب!»

خرجت امرأة من حانوت مجاور. لمست الحافة وقالت: «أحتاجه لغطاء مهد. سأقص هذا الطرف. بكم؟»

نظر راشد إلى التاجر. تمتم الرجل بثمن أقل، فأتمت المرأة الشراء.

سأل الأب ابنه حين عاد: «وبعت الثاني؟»

«بعد قليل. لكنني لن أقول النداء نفسه.»

«ولماذا؟»

وقف راشد وسط السوق، ورفع الثوب الثاني:

«حرير بلا ثقوب… فتشته مرتين!»

ضحك صاحب السلال، وخرج الخباز من فرنه. وفي آخر الطريق، أراد الأب أن يضحك، فخرج الصفير من جديد.

التفت راشد إليه: «اتفقنا يا أبي، أنا أنادي، وأنت تعطينا الصافرة!»

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.