سيرة ناقصة
٤ نوفمبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · مشاهدة واحدة

«لا تقل إنني دخلت النار وحدي.» توقف سلامة عن تجربة صوته. أمام دكانه الضيق وقف فارس التاجر، وقد جاء مبكرًا قبل مجلس الحكايات الذي أعده أهل السوق. كانوا يريدون سماع خبر الليلة التي أنقذ فيها صبيةً من مخزن اشتعلت فيه النار، قبل أعوام. قال الراوي: «هذا ما يحكيه الناس. أنت خرجت بها على كتفك، أليس كذلك؟» «خرجت بها، نعم. لكنني لم أدخل وحدي.» في هذه البلدة المتخيلة، كان سلامة يجمع حكايات السوق من أصحابها، ثم يرويها قرب مجلس القهوة. كتب في لوحه أن فارسًا دفع الباب بيده، وصعد فوق اللهب، وعاد لا يمسه خوف. أعجبه المشهد؛ يسمعه الناس مرة فيتذكرونه. قال فارس: «الباب كان مفتوحًا. لم أستطع أن أتجاوزه. تجمدت قدماي عند العتبة.» خفض سلامة اللوح. «من الذي دخل إذن؟» «حليمة، صاحبة المخزن. ربطت طرف حبل حول خصرها، وجعلتني أمسك الطرف الآخر. قالت إنني أعرف كيف أثبت قدمي، وإنها تعرف موضع الصبية بين الرزم.» «وحين خرجت؟» «كان الدخان قد أضعفها. سلمتني الصبية عند الباب، ثم جلست تسعل. خرجت أنا إلى الشارع، فرأوني قبل أن يروها.» من السوق وصل رنين مطرقة، ونداء بائع الهيل. ارتفعت رائحة البخور عند أول ضوء للسراج. حرك سلامة إصبعه فوق المشهد الذي أعده، كأنه يريد أن يترك فيه ثغرة تتسع لامرأة. قال: «لماذا لم تقل هذا طوال تلك السنوات؟» «قلته لبعض الناس، ثم سكت حين أحببت كيف ينظرون إليّ. والآن سمعت أنك ستقول إنني لم أخف. ابني سيجلس معكم الليلة. لا أريده أن يظن أن ما يتجمد في قدميه أحيانًا لم يتجمد في قدمي.» أغلق الراوي لوحه. «هل تعرف أين أجد حليمة؟» «تفتح دكانها عند الظهر. سأمشي معك، إن قبلت أن تسألها قبل المجلس.» لم تقبل حليمة أن يزين سلامة دورها أيضًا. قالت إنها دخلت لأن الصبية ابنة أختها، وإنها أخذت الحبل لأنها خافت أن تضل طريق الباب. في المساء جلس فارس بين الناس. بدأ سلامة حكايته من العتبة، حيث وقف رجل لا يستطيع التقدم، وامرأة تعرف ما الذي تختبئ خلفه رزم القماش. لم يصف النار أعلى مما عرف، ولا جعل الحبل أقوى مما كان. عند النهاية سأل صبي أباه: «هل بقيت ممسكًا بالطرف الآخر؟» مد فارس كفه، كأنه يتحسس حبلًا قديمًا. «حتى خرجتا.»
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

موضع الإبهام
٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦
يطلب تاجر جرارًا متطابقة، لكن جرّة معيبة ظاهريًا تضع الفخارية أمام امتحان مختلف.

سماء تخصّها
٤ نوفمبر ٢٠٢٦
تطلب ناسجة نافذة لا تطل على أحد، فيكتشف ابنها أن ما تحتاج إلى رؤيته ليس خارج البيت.

الصوت على الطين
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يرفض خزّاف أن يبيع جرة نجحت في الفرن، لأن صوتًا صغيرًا فيها يعيد إليه طلبًا لم يعد يستطيع تلبيته.