سماء تخصّها
٤ نوفمبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · مشاهدة واحدة

«لا تفتحها في هذا الموضع. سأرى جدار جارنا فقط.» أنزل مروان أداة القياس. كانت أمه عاتكة جالسة عند النول، ترفع خيطًا أزرق ثم تقربه من السراج لتتبين لونه. قال: «وهنا يكثر الضوء. إذا فتحنا النافذة أعلى قليلًا، لن يصل إليها بصرك وأنت جالسة.» «لن أحتاج إلى أن أرى منها الناس. أحتاج إلى أن أرى الخيط من غير هذه النار طوال النهار.» في البيت الطيني، من زمن هذه الحكاية المتخيل، بقي موضع النول كما اختاره أبو مروان قبل سنين؛ عند أكثر الجدران اتساعًا، وأبعدها عن ضوء الباب. كان السراج يترك على أكمام أمه رائحة زيت، وتسخن حوله يداها في أيام الحر. قال مروان: «ننقل النول إلى قرب الباب.» وضعت عاتكة يدها فوق القماش المشدود. «والعابرون ينظرون إلى عملي، وكل من يدخل يطلب أن أزحزح الكرسي؟ أريد أن أبقى هنا. ليست كل راحة أن أنقل نفسي إلى المكان الذي تركوه لي.» جلس ابنها على كرسيها. بدا الجدار من موضعه أعلى، والباب أبعد مما رآه وهو واقف. حين رفع الخيط، وقع ظله فوق اللون. قال: «أفهم الآن لماذا تنحنين نحو السراج.» جاء في اليوم التالي بلوح أبيض، وأوقفه قرب فتحة السقف الصغيرة التي يدخل منها الهواء. انعكس بعض الضوء على كفه. رفعه وخفضه، حتى سقط على النول بدل وجه أمه. قال: «أجرب الاتجاه أولًا. لا أريد أن نهدم قطعة ثم نكتشف أن الظل بقي كما هو.» خلال أيام صنع البنّاء فتحة عالية ضيقة، وأمال مروان تحتها سطحًا مطليًا بالجص الفاتح ليرد الضوء نحو العمل. بقيت الفتحة أعلى من أن تكشف داخل البيت للجار، وظهر منها شريط سماء حين رفعت عاتكة رأسها. مر أول نهار وهي تحرك كرسيها مرة واحدة فقط. لم يختف تعب يديها، ولم يصبح البصر كما كان في شبابها، لكنها أبعدت السراج عن الخيط. عند العصر جاء مروان بمصراع صغير يغلق الفتحة إذا اشتدت الريح. سألته: «ألا يمكن أن نترك جزءًا منها مفتوحًا؟» «يدخل الغبار.» «نغلقه حين يأتي. اليوم توجد غيمة صغيرة.» رفع بصره. لم يرَ سوى طرف أبيض يمر سريعًا. قالت عاتكة، وهي تعقد الخيط الأزرق: «هذه أول نافذة في البيت لا تخبرني من دخل ومن خرج.»
إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.
قد يعجبك أيضاً

سيرة ناقصة
٤ نوفمبر ٢٠٢٦
يُطلب من راوٍ أن يحكي شجاعة رجل مشهور، فيأتيه الرجل نفسه ليطلب حذف أجمل مشهد في الحكاية.

الصوت على الطين
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يرفض خزّاف أن يبيع جرة نجحت في الفرن، لأن صوتًا صغيرًا فيها يعيد إليه طلبًا لم يعد يستطيع تلبيته.

يوم بلا منادٍ
٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦
يغيب منادي سوق الأقمشة، فيجرّب بائع صامت طريقة للبيع لا تتسع لها حنجرته.