الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦
قصةقديمةقصص عربيةدفعة استثنائية 19-10-2026قصص الماضي

آخر حجر

ح
حمد خالد

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة · ٣٣ مشاهدة

آخر حجر

«هذا الحجر لم يكن زائدًا حين بدأنا.»

أمسك خليل القطعة الجيرية بكلتا يديه. فوقه امتد قوس البئر الجديد، وبين حجارته رائحة جص لم يجف. كان تلميذه منصور يجر السلم نحو الباب.

قال الفتى: «ربما أحضر صاحب المحجر حجرًا احتياطًا.»

«أنا قطعتها. أعرف أثر إزميلي هنا.»

أضاء خليل السراج. غمس طرف عصاه في دلو الماء، ومرر البلل على الحجارة. اللون يكشف حوافها، لكن القوس بدا مكتملًا. في الخارج تعالت أصوات الباعة وهم يطوون الحصر، ومرّ جمل تهتز الأجراس في عنقه.

قال منصور: «نعود صباحًا. زوجتك تنتظر، وقد انطفأ نصف السوق.»

«منذ متى نترك حجرًا لا نعرف مكانه؟»

أعاد الفتى السلم بقوة فارتطم بالجدار. جاء من خلفه صوت خافت: نقرات ماء متتابعة.

وضع خليل أذنه على الحجر البارد، ثم أشار إلى منصور كي يصمت.

قال الفتى: «البئر خلفنا.»

«وأنا أسمع الماء أمامي.»

نزعا لوحًا يسد فتحة قديمة. خلفه ممر ضيق، في أرضه مجرى مطمور بالطين. انحنى منصور وأدخل السراج.

«ثمة عتبة ثانية، يا معلم. لا أرى آخرها.»

أخرج خليل من كيسه مخططًا رسمه فوق جلد قديم. في الرسم خط قصير حسبه خدشًا. مرر أصابعه عليه، ثم قلب الجلد في الضوء.

«ليس خدشًا. باب الماء هنا. كان يُفتح إذا ارتفع في موسم المطر.»

قال منصور: «ولذلك قطعنا هذا الحجر؟»

«نعم. جعلته عتبة للمجرى، ثم حجبته عن عيني حين رفعت المخطط.»

نظر الفتى إلى الجص الأبيض فوق كفه. «أنا سددت الفتحة صباحًا. قلت إنها فجوة تضعف البناء.»

«وأنا رأيت عملك، وطلبت منك إكماله.»

حاولا دفع لوح الإغلاق، لكنه انحشر. وصل الماء إلى حذاء منصور، فرفعه على أول درجة. في الجهة الأخرى من السوق كانت البيوت منخفضة، وأبواب مخازن التمر عند مستوى المجرى.

قال الفتى: «نصرخ لأهل الحوانيت؟»

«نبّه أقربهم أن يرفعوا الصناديق. وأحضر الرافعة الخشبية.»

عاد منصور ومعه بائع السلال يحمل الرافعة. أقحم خليل طرفها تحت اللوح، ومد الثلاثة أذرعهم.

«على مهل. إن انكسر، سيقع في المجرى.»

تشققت قطعة جص، ثم مالت ثانية. اندفع الماء فوق أحذيتهم، محملًا برائحة تراب بارد. رفع منصور السراج عاليًا، بينما أبقى خليل الرافعة ثابتة.

بعد أن خف الاندفاع، ثبّتا الحجر الذي بقي في كيسهما عتبةً، وتركَا فوقه مجرى مفتوحًا. سمعا الماء يعبر إلى قناة الحقول خلف السوق.

جلس منصور على الأرض، وعصر طرف ثوبه. قال: «كان يمكن أن ننام ونحن نقول: القوس كامل.»

مرر خليل إصبعه على شق في حذائه. «وكانت زوجتي ستظن أنني بالغت في غسل قدمي.»

ضحك الفتى حتى اضطر إلى مسك السراج بكلتا يديه.

في الصباح، وقف صاحب المحجر أمام القوس يتأمله. قال: «عمل متين. هل تكفيكم بقية الحجارة لإصلاح عتبتي؟»

نظر منصور إلى الكيس الفارغ، ثم إلى معلمه.

قال خليل: «سنعدها أولًا.»

ناول الفتى حجرًا صغيرًا التقطه من تحت السلم. «وهذا؟»

أخذه خليل، وتأمل وجهه طويلًا. ثم وضعه إلى جانب السراج، وجلس يرسم السوق من جديد.

شارك القصة

إخلاء مسؤولية: الآراء والأحداث والشخصيات الواردة في هذا العمل تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تمثّل رأي دكسيجون أو موقفه. المنصة غير مسؤولة عن محتوى الأعمال المنشورة من قِبل المستخدمين، وتقع المسؤولية القانونية الكاملة عن أي مخالفة على عاتق الكاتب الناشر له دون سواه.

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.