الساعة التي توقفت
يوسف العامري
١١ أغسطس ٢٠٢٦ · 1 دقائق قراءة · 291
في زاوية السوق القديم، بين محلّ للتوابل وآخر للأقمشة، كان دكان "أبو خليل" لإصلاح الساعات لا يزيد اتساعه عن غرفة صغيرة، لكنه كان يحوي المئات من الساعات المعلّقة على الجدران، تدقّ كلّها في وقتٍ واحد تقريباً، إلا واحدة.
كانت تلك الساعة الجدارية القديمة، ذات الإطار النحاسي المتآكل، معلّقة في أعلى الجدار الخلفي، عقاربها متوقفة عند الساعة الرابعة وسبع دقائق، لا تتحرك منذ عشرين عاماً، رغم أن أبو خليل كان يمسح غبارها كل صباح بعناية أكبر من عنايته بأي ساعة أخرى.
سأله صبيّ صغير جاء ذات يوم مع والده لإصلاح ساعة يده: "لماذا لا تصلحها؟ أنت أفضل صانع ساعات في المدينة." ابتسم أبو خليل، ووضع أدواته جانباً للحظة.
"هذه الساعة كانت في بيتنا يوم وُلدت ابنتي. وكانت معلّقة على نفس الجدار يوم غادرتنا. لم أوقفها أنا، توقفت بنفسها في تلك الليلة بالضبط، عند تلك الدقيقة بالضبط."
زمنٌ لا يمشي
"أتعرف يا ولدي، كل ساعة في هذا الدكان تصلح لتخبر الناس بالوقت. لكن هذه الساعة الواحدة، لا تخبرني بالوقت... بل تذكّرني به. لو أصلحتها، لعادت تدق كأي ساعة أخرى، ولنسيت تلك اللحظة بين آلاف اللحظات التي تمر كل يوم."
لم يفهم الصبي تماماً، لكنه نظر إلى الساعة المتوقفة نظرة أخرى قبل أن يغادر، وشعر أن هناك أشياء لا يجب أن "تُصلح"، لأن توقفها هو بالضبط ما يجعلها ذات معنى.
ظلّت الساعة معلّقة هناك سنوات بعد ذلك، عقاربها ثابتة عند الرابعة وسبع دقائق، بينما يكبر السوق من حولها، وتتغير المحال، ويشيخ أبو خليل، وتبقى هي الشيء الوحيد الذي لا يتغير أبداً.
قد يعجبك أيضاً
حكاية اختبار
هذه قصة تجريبية لاختبار منصة حكايا والتأكد من عمل لوحة الكاتب بشكل سليم.
دوام العصر
أرملة تنظّم يومها حول روتين بسيط بعد رحيل زوجها، حتى يهزّه تفصيل صغير في أحد الأيام.
الصوت في الطابق العلوي
امرأة تعيش وحيدة تبدأ بسماع صوت خطوات في الطابق العلوي المهجور من منزلها كل منتصف ليل.