قصةأدبتراث

ظل الزيتونة

س

سلمى الفارسي

١٩ أغسطس ٢٠٢٦ · 1 دقائق قراءة · 254

كانت الزيتونة التي غرسها جدّي أطول مني بقليل يوم وُلدت، وكانت في يوم مولده هو مجرد غصنٍ رفيع غرسه بيده اليمنى في زاوية الحوش. حين سألته يوماً: "لماذا تحب هذه الشجرة أكثر من غيرها؟" ابتسم دون أن يرفع رأسه عن الأرض التي كان يعزقها، وقال: "لأنني أعرف كم انتظرتها."

"الأشياء التي تنتظرها طويلاً، يا ولدي، لا تشبه الأشياء التي تأتيك بسرعة. فيها من صبرك شيء، فتصبح جزءاً منك."

في الصيف، كنا نجلس تحت ظلّها كل عصر. كان جدّي يروي لي عن السنوات الأولى، حين لم تكن الشجرة تعطي غير حفنة من الثمر الصغير الحامض، وكيف كان الجيران يسخرون منه: "لماذا تضيّع أرضك على شجرة لا تُطعم أحداً؟" لكنه لم يستمع لهم، وواصل سقايتها كل صباح قبل أن يذهب إلى عمله.

عشرون عاماً لاحقاً

اليوم، تمتدّ أغصان الزيتونة فوق نصف الحوش، وتُطعم الشجرة الواحدة عائلتنا كلّها زيتاً يكفي الشتاء بأكمله. يجلس جدّي الآن أكثر مما يعزق، وأنا من يحمل عنه الجرّة إلى الحائط الحجري ليستريح في ظلّها.

سألته الأسبوع الماضي: "هل تظن أنني سأرى شجرة أزرعها اليوم تكبر مثل هذه؟" فنظر إليّ طويلاً، ثم أشار إلى غصنٍ صغير كان قد غرسه بجانب البوابة منذ شهرين فقط.

"ابدأ اليوم، ولا تسأل متى ستثمر. اسأل فقط: هل ستستمر في سقايتها؟"

لم أجب يومها. لكنني في كل صباح، منذ ذلك اليوم، أمرّ بجانب الغصن الصغير وأسقيه، دون أن أعرف متى سأجلس في ظلّه، وربما لن أكون أنا من يجلس، بل ولدي، أو ولد ولدي.

التعليقات (0)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.